رأي

هل احتضنت “دار الباشا” مقهى عموميا منذ سنة 1910؟    

“دار الباشا” بمدينة مراكش، التي كانت مقرا للرجل القوي الباشا “التهامي لكلاوي”، والتي تحولت إلى متحف منذ سنة 2015، أقيم بها مؤخرا مقهى تحت اسم مقهى “الباشا 1910″، للدلالة على وجود مقهى عمومي بهذه الدار منذ عقود، فهل كان في قلب هذه الدار، التي شهدت على أحداث تاريخية وقرارات سياسية هامة وفعاليات فكرية ثقافية وفنية، مقهى عموميا منذ سنة 1910؟.

 

هل كانت “دار الباشا” تحتضن مقهى منذ 1910؟

 

هل احتضنت المعلمة التاريخية ” دار الباشا ” بمدينة مراكش، التي تحولت منذ 2015  إلى “متحف الروافد ” ( بغاية تثمين الموروث التراثي المادي واللامادي للعمارة المغربية ) والذي تم افتتاحه من طرف الملك محمد السادس منذ 9/7/2017 . هل كانت تحتضن ” دار الباشا الكلاوي” مقهى عموميا ، ومنذ 1910؟.

 

طرح علينا هذا السؤال في صحيفة ” المراكشي “، بمناسبة المضمون الإشهاري الذي تروجه الشركة الخاصة التي تستغل اليوم في نشاطها التجاري احد اجنحة هذا الفضاء المتحفي، من خلال إقامة “مقهى” ومتجر لبيع البن والشاي  .. والغريب أن هذه الدعاية لا تخفي في إيحاءاتها تزويرا للتاريخ، وللتاريخ القريب الذي لا خلاف حول وقائعه. وكأن المكان الذي نحن بصدد الحديث عنه كان يحتضن “مقهى”، ومنذ 1910 ( ؟ ) . في حين أن أهل مراكش قبل غيرهم يعرفون أن هذه المعلمة المتحفية والتاريخية ” دار الباشا “، كانت دارا لإقامة باشا مراكش الشهير “التهامي الكلاوي” في بداية القرن 20 ، منحت له من السلطان مولاي يوسف وشيدت وفق قواعد ومعايير وجماليات الهندسة المعمارية المغربية/ الأندلسية الحافلة بابداعات “الصناع ” و” المعلمين ” المغاربة، و المستوعبة  أيضا لبعض ملامح الجمال المعماري التزييني الأوروبي .

 

ولأننا لا نقصد اليوم إبداء النظر الفني النقدي للحلة التزيينية “الغربية ” التي ألبست للمقهى، غير المتناسقة بالكامل مع روح المكان القوية الارتباط بالحضارة المغربية. كما لا نقصد التعبير عن رأي مختلف بخصوص تجربة فتية وجديدة – مطلوب من الجميع اليوم إتقان انطلاقتها والحرص على نجاحها – ونعني تجربة إدخال أنشطة القطاع الخاص التجارية،الترفيهية، التثقيفية، والفنية  في المواقع الأثرية، والرهان على أن تساهم  في إشعاع المتاحف وتثمين حضورها وتقوية مناعتها المادية. خاصة مشروع من طراز “المقهى” ، باعتباره فضاء اجتماعيا وثقافيا مفتوحا على الزمان والذاكرة، بدأ رحلته المستمرة الى اليوم من بلاد العرب، منذ اكثر من خمس قرون. وسافر إلى الغرب عبر “اكسفورد ” ( الجامعات الرخيصة كما كان يسمى !)، باعتباره فضاء ترفيهيا وثقافيا تصفو فيه المساجلات الثرية بين عقول حية ويقظة بنشوة حبوب القهوة ( بمفعول مضاد لمفعول السكر في الحانات  !!) .

 

وكان الأمل في أن يصبح سحر القهوة ( المكان والمشروب والمسحوق والحبوب !) قوة جذب ودعم إضافي في تجربة  متحف ” دار الباشا “، أو كما سبق وان قال الشاعر العربي الكبير نزار قباني كون مقاهي العالم اليوم هي الأكاديميات التي يتخرج منها العشاق، عشاق حضارتنا المغربية ومعالمها الفاتنة كما نريد لها في الحالة المغربية.

 

القانون واستغلال “دار الباشا” تجاريا؟

 

ومن أجل تجنب الانحرافات والممارسات المشينة التي من شأنها أن تخدش سمعة تجربة حضور أنشطة القطاع الخاص في المتحف والمعلمة التاريخية، وبما ينسجم مع نبل الأهداف المرجوة، نعيد طرح التساؤلات التي يتداولها الشارع المراكشي بخصوص ما يقع في ” دار الباشا “:

 

1/  هل القانون المغربي يرخص  ويسمح بتفويت أسماء المعالم والمواقع الأثرية، خاصة المصنفة منها، للاستعمال في العلامات التجارية؟، (علما أن العديد من البلدان لا تسمح باستعمال الأسماء الجغرافية التي قد يحدث استعمالها لبسا بخصوص منشأ المنتجات او الخدمات او مصدرها. كما لا تمنح الترخيص للعلامات التجارية التي من شأنها أن تضلل الجمهور أو التي تتضمن بيانات كاذبة عن منشأ او مصدر المنتجات والخدمات والأمكنة).

 

2/  هل صحيح ما يروج بقوة، كون مؤسسة السيد القطبي منحت الشركة المستغلة رخصة استعمال اسم “الباشا ” مقرون بـ 1910 في علاماتها  التجارية؟، وهل يتضمن هذا الترخيص  تأويلا خاطئا، وربما تزويرا ( ؟ ) ، بأن موقع “دار الباشا ” الذي شيد منذ 1910 كان يحتضن مقهى مشهورا يحمل اسم ” مقهى الباشا “؟.

 

3/ هل صحيح أن الرخصة المزعومة المنسوبة للمؤسسة المكلفة ب “الصنعة” المتحفية

( وليس بيع الشاي والبن!) ، لا تمانع في استعمال وتسجيل اسم “باشا 1910” من قبل الشركة، حتى تصبح علامات تجارية وحقوق مسجلة في المغرب وخارجه؟. وما مدى قانونية هذا الأمر؟،  وهل ينسحب ايضا على “ماركات” القهوة ! ؟

 

 

 أسئلة تنتظر التوضيح ورفع اللبس!

 

 

وغير بعيد عن موضوع “التقنين المفترض” للأنشطة التجارية والخدماتية الجديدة بما ينسجم مع الوظيفة الثقافية والحضارية  لمتحف “دار الباشا”، ينتشر قلق كبير داخل الوسط الثقافي والفني والأدبي المراكشي جراء انطفاء شعلة منارة هذه المعلمة الثقافية “دار الباشا”، بعد أن أصبحت تحت وصاية “المؤسسة الوطنية للمتاحف” واختياراتها التي لا تخفي إرادة الإجهاز على “العلامات” التي ترفل بثوب العز الثقافي المغربي، ومحو ما يحيل الى ذاكرة “الدار” بمجالسها الثقافية والفنية الرائدة التي أثرت الحركة الاجتماعية الفكرية والثقافية والفنية لمدينة مراكش خلال نصف قرن، وهي تجسد إحدى أبرز العلامات الثقافية في مغرب الوطنية وبناء مسار التجديد والتأصيل الثقافي . ونذكر كمثال على ” نوايا ” مؤسسة السيد القطبي في ” التخلص ” من هذه الذاكرة ورموزها ، وضع أسماء غربية مكان اسم ” شاعر الحمراء” و “الجيلالي امتيرد” بمدخل  قاعتين رئيسيتين / موطن أوراش فنون الملحون والطرب الأندلسي والسماع والمديح والخط العربي في التجربة السابقة ، فهل يسمح الضمير الثقافي الوطني والمدني المراكشي بالإجهاز عليها؟.

 

“دار الباشا ” ومجالسها التي تتدفق روحها دعابة وحسن مزاج، كانت تجمع الكل، وتمد الجسور بين الأجيال والفئات. وكان الهدف حماية حق الجميع في الاستمتاع بالفنون والآداب في مكان عام يفيض جمالا وإبداعاً. وقد نذكر على سبيل المثال لا الحصر زمان اشتغال الفنان المراكشي الكبير والهرم المسرحي المرحوم محمد حسن الجندي مندوبا لوزارة الشؤون الثقافية بمراكش (1992/1999)، وقد تحولت “دار الباشا” حينها الى أبهى معقل للثقافة والفنون، مقامة تاريخية  كبرى في أوج سفرها تمتطي سفينة الإبداع والتجديد والتأصيل ، فكانت قريبة جدا من المواطن والجمعيات الثقافية والفنية مثل اتحاد كتاب المغرب وديوان الأدب وجمعية التشكيليين والخط المغربي وجمعيات وأجواق الطرب الأندلسي والملحون، مهرجانات ومواسم ثقافية في حلة مراكشية بديعة، نزهة أهل الملحون، النزهة الملكية السنوية لأهل  السماع والمديح، نزهة رواد الدقة.

 

ونذكر في مثال آخر وأخير،  كيف اختارت اليونسكو سنة 1998 وهي بصدد احتفالات بسنة  “ابن رشد ” ومجالسها  العلمية في كبريات المدن العالمية، اختارت عقد حفل الاختتام بدار الباشا، بحضور كبار المثقفين الغربيين والعرب الذين تابعوا بإعجاب كبير الحكواتي المراكشي السي محمد باريز وهو يسرد ببراعة وفصاحة  نصوص ابن رشد الذي فارق الحياة من مراكش.

 

فمن قلب هذه الحركة الثقافية الكبيرة التي احتضنتها “دار الباشا”، ومن رحم هذا الصرح،  ولدت فكرة احياء المدينة العتيقة، وإعادة الاعتبار وتثمين الموروث المادي واللامادي باعتباره أساس أساسات نهضة المدينة وجودة عيش أهلها ومحبيها.

فهل يليق بمؤسسة متاحف المغرب ان تدشن عهدها بمراكش بمحو هذه الذاكرة وعزل هذه المعلمة العمرانية التاريخية عن جذورها ووظيفتها الثقافية التي شيدتها جهود أجيال من المثقفين والعلماء والفنانين؟.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى