رأي

التحفة المعمارية  “بنك المغرب” بجامع الفناء تستغيث

آخر أنفاس ” الحاضرة المتجددة ” !

 

خلال هذه السنة وقبلها ، لم تتوقف صحيفة “المراكشي ” عن دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى الاختلالات الكبرى التي رافقت ” تأهيل ” معلمة ثقافية كبرى ضمن المشروع التاريخي المصادق عليه منذ 6 يناير 2014 أمام جلالة الملك. و يتعلق الأمر بإعداد كيان عمراني عريق وتحفة فنية نادرة في قلب ساحة جامع الفناء :”بناية بنك المغرب”، بغاية تحويلها إلى “منشأة ثقافية” تساعد الزائر المغربي والأجنبي في رحلة اكتشاف أسرار ساحة “جامع الفناء “، وتثري الاحتفاء بهذه الساحة العالمية، ذاكرة ورجالا وفنونا وبهجة. الساحة التي كان لها كبير الفضل على الإنسانية في بزوغ نجم “الاتفاقية الدولية للتراث غير المادي” سنة 2003 من قبل ” اليونسكو “.

 

فمنذ بداية ولايته، “تجاهل” المجلس الجماعي السابق قرار الحكومة ببداية الأشغال سنة 2015 كما سبق وأن أعلن وزير الثقافة في شتنبر 2014. كما أغلق المجلس عهده في دجنبر 2020 بالإجهاز على روح المشروع الأصلي والتخلص منها عبر “تسليم مفاتيح ” بناية بنك المغرب من المدينة ومجلسها الجماعي إلى مؤسسة المتاحف ورئيسها ( مقرر 7 أكتوبر 2020 ) . وكأن مدينة  مراكش أرض “خلاء” من المؤسسات والرجال والخبرات !. مع العلم ان المشروع الأصلي قد حظي بإعداد متقن لمجمل مقوماته العلمية والثقافية والإدارية والمالية استغرق عدة سنوات قبل 2014، واستقطب مجهودات متواصلة من طرف مثقفين وفنانين وجمعيات محلية ( مثل جمعية ذاكرة مراكش )، وفي تكامل بين عمل خبراء المجلس والمدينة وقتها وخبراء من مدينة “مرسيليا” الفرنسية.

 

ومنذ بداية الأشغال في دجنبر الماضي، والتي قيل إنها لن تستغرق أكثر من 8 أشهر، ( واليوم تجاوزنا العشرة ؟ ).  سبق الحديث عن اعتراض الوكالة الحضرية لمدينة مراكش، بسبب ما تضمنته التصاميم من تخطيط للإجهاز على هذا الكيان العمراني العريق بواجهته الفريدة .. وتابعت “المراكشي ” وقتها ملابسات الشكاية المرفوعة الى وكيل الملك من “المجلس الجهوي للهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين لجهة مراكش آسفي” من أجل مقاضاة السيدة “كورين لومور” بسبب “المزاولة  غير القانونية  لمهنة الهندسة” ( قانون 89-016 ).. وتوالى التعبير عن القلق والشكوك في جودة الإصلاحات المرتقبة وخطورة آثارها على بناية عريقة ونادرة كانت مرشحة للتصنيف الدولي ضمن روائع العمارة الحديثة بأنفاس مغربية أندلسية عريقة.

 

واليوم، وقد مرت أزيد من 9 أشهر، لم يزد تعنت الجهات المسؤولة عن الأشغال الا إصرارا على تجاهل احتجاجات الرأي العام المحلي والخبراء. وبمناسبة صدور الدورية الاخيرة لوزارة الداخلية الموجهة الى العمال والولاة، والتي تعيد الاعتبار لمكانة المواطنات والمواطنين وجمعيات المجتمع المدني في كل ديمقراطية تشاركية حقيقية تبتغي “تحسين جودة وفعالية الخدمات العمومية ” وتعتمد المقتضيات الدستورية  سندا لها،  تتداول العديد من الأوساط المراكشية الغيورة على المدينة وذاكرتها  في أهمية و استعجالية التدخل الكفيل بتصحيح المسار، بإعادة النظر والتقويم والفحص  في مآلات المشاريع الملكية الكبرى ( مراكش: الحاضرة المتجددة ) التي تم الإجهاز على روحها ومقوماتها على عهد المجلس الجماعي غير المأسوف على رحيله. وإشراك المجتمع المدني المحلي والخبراء في كل مسار تصحيحي حقيقي …

 

الذكرى والتذكر..أساسات المشروع وصلاحيات مؤسسة المتاحف؟

 

يعتبر “تحويل” وظيفة التحفة المعمارية التي أقامتها سلطات الحماية منذ حوالي  مائة سنة على مشارف “ساحة جامع الفناء ” ( من بناية ” بنك المغرب”  إلى ” منشأة ثقافية ” )  أحد أهم مشاريع “الحاضرة المتجددة ” من أجل الاحتفاء بذاكرة الساحة وتراثها اللامادي، الساحة التي أضحت قاطرة الساحات العالمية فرجة وحماية للتراث اللامادي من طرف “اليونسكو ” ( منذ 18 ماي 2001 ) .

 

وقد اقترح المشروع الملكي أمر تدبيرها  للمؤسسة المرتقبة ” المؤسسة الوطنية للفنون الشعبية والتراث اللامادي ” التي أعلن عن تأسيسها الاستاذ الصبيحي وزير الثقافة في نهاية شتنبر 2014 .

 

ومع الأسف ، سيتم ” التخلص ” من أحد أبرز مقومات مشاريع ” الحاضرة المتجددة ” عبر اختيار صيغة المتحف واستبعاد إقامة المنشأة الثقافية المنصوص عليها في المشروع الاصلي  . وسـ “يستنجد ” المجلس الجماعي السابق  ب ” المؤسسة الوطنية للمتاحف بالمغرب” ( التي لم يكن لها وجود  في المشروع الأصلي !)  من أجل ” التدبير والتنشيط ” كما زعموا. وسلمت لها المفاتيح في دجنبر 2020 ، وأعلن عن انطلاق الأشغال المحددة  مدتها في 8 اشهر ، بحضور مدير عام منظمة  “الإيسيسكو ” ( بدل اليونسكو ) (؟؟) . علما أن القوانين التنظيمية للمؤسسة الوطنية للمتاحف لا تفتح أمامها مجالات الترميم والتصرف في المباني (قانون 01.09 بتاريخ  18/04/2011 ) . وعلما ان المقرر الجماعي ل 7 أكتوبر 2020 الذي ” يمنح  ” السيد القطبي مهمة ” جديدة ” ! “إنجاز الدراسات وأعمال الصيانة والإعداد العامة والسينوغرافيا ” ( البيئة الجمالية للعرض المتحفي ) لا تفصله إلا شهر عن انطلاق الأشغال .

 

فهل  مدة شهر واحد كافية لإعداد التصورات والتصاميم وفرق عمل مؤهلة للتدخل في معلمة شديدة الحساسية ومن طراز فريد ؟؟

 

قبل ذلك، وبعد “تجميد” المشروع لأربع سنوات، سيوقع المجلس الجماعي يوم 26/2/2019 اتفاقية شراكة مع مؤسسة المتاحف، ولاية جهة مراكش آسفي ومندوبية الثقافة بالجهة،  بهدف:”تفويض تدبير المؤسسة وفق تصور مشترك للأطراف” ( لم يتم تحديد هذا التصور؟) . وسيتم الاتفاق على ” لجنة متابعة ” لإعداد ملاحق تفصيلية تهم ” ضبط مكونات المشروع وطرق التدبير وطرق التمويل والعائدات ” ( يجهل الى اليوم مصير كل ذلك (؟) ) . بعد أن غاب عن ” الوثيقة التأسيسية “ذكر الأهم : “المؤسسة الوطنية للفنون الشعبية والتراث اللامادي” التي تعتبر القلب النابض للمشروع الأصلي، لدورها الحاسم والمحوري  في تأهيل المهرجان السنوي للفنون الشعبية باعتباره  أحد أبرز التظاهرات  الفنية للمدينة منذ 1960، وفي تأطير تدبير و تنشيط ساحة “جامع الفناء ” العالمية. على  أن تناط بهذه المؤسسة،ايضا، مهمة إعداد كل المقومات والبرامج التي تؤهل مدينة مراكش، وهي تستعد للاحتفال بالفيتها الثانيه، لأن تصبح عاصمة المغرب احتفاء ورعاية للفنون الشعبية والتراث اللامادي.

 

و بالاضافة الى ماسبق، عهدت منظومة البرنامج الملكي الى “المؤسسة الوطنية للفنون الشعبية والتراث اللامادي” مهمات تدبير “مدينة الفنون الشعبية والتراث اللامادي ” بالصرح التاريخي الجميل حدائق “أكدال باحماد” (على مساحة 7 هكتارات )، على أن تحتضن إقامة للفنانين وقاعات للعرض والتكوين والأرشفة، ضمن مقاربة ثقافية تعيد الاعتبار لمقومات التثمين والتوثيق وحفظ الذاكرة وترقية الاعتبار الاجتماعي للفنانين ومجموعاتهم ..وهو المشروع الذي تعرض بدوره  للتسويف والمسخ، من خلال تأخير انطلاق الأشغال و تحويله إلى “مدينة الفنون والإبداع ” بحذف جوهر المشروع ومبرر وجوده : الفنون الشعبية والتراث اللامادي. ومن خلال الإلقاء بالمشروع في الفيافي خارج أسوار المدينة، بعيدا عن موقع الإقامة والصنعة والعمل الفني لأهل هذه الفنون، وبعيدا عن المسارح وفضاءات العرض  التاريخية ( قصر البديع والباهية وساحة جامع الفناء وحومة الكتبيين ..).

 

علما ان مهندسي التمدن والعمران اليوم يتشبثون بالفضاء الطبيعي موقعا لصيانة التراث اللامادي ضمن مقاربة أصيلة لتهيئة وتخطيط المدينة ..

 

أين نحن اليوم من كل هذا؟…

 

أين نحن من إعداد “متحف” متصالح مع أهل مراكش، ومع فناني وذاكرة ساحة استثنائية، ساحة أصبحت رائعة روائع التراث اللامادي للإنسانية … وعليه وزر حماية ذاكرتها  من النسيان والتشوه؟

 

وأين نحن من إعداد بناية / تحفة فريدة تحمل ملامح مغربية أندلسية أصيلة؟ حيث تثير العديد من الكتابات الغربية الرصينة اليوم أهليتها المستحقة للتصنيف الدولي الرفيع وهي تساهم في رونق الساحة وجمالها كما أراد لها في بداية القرن 20 المعماري الشهير “بروست “، وأبدع في تصميمها وإنجازها المعماريين الفرنسيين “ادمون بريون” و “اوكيست كاديت “، ابرز العارفين بفنون العمارة المغربية الإسلامية ومقومات تنظيم المجال الحضري للمدينة المغربية القديمة ..بعد أن لمع نجمهما في سماء تجربة إبداعية وإنسانية رائعة بعد أن حققا نجاحا باهرا في بناء تعاون مبدع مع كبار “المعلمين” و “الصناع” المغاربة الذين تركوا بصماتهم الفائقة الجمال داخل هذه المعلمة الفاتنة، وقد تكون أعين احفادهم تراقب من بعيد ..ومن قريب ايضا.

 

وأخيرا، فإن المعلومات التي تم تداولها بين بعض الأخصائيين بالمدينة الحمراء، تؤكد أن هذه البناية التاريخية تتعرض للتشويه، و لتغييرات جوهرية في التصميم، ما يتعارض كليا مع القوانين التي تحصن مثل هذه البنايات من كل عوامل التغيير. فهل تتدخل السلطات الوصية لوقف عملية التشويه هذه من جهة؟، ومن جهة أخرى لوضع اليد على بعض الأثاث التاريخي لبنك المغرب، الذي يبدو أنه اختفى ويجهل مصيره.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى