رأي

انتخابات مراكش.. لونان يستحقان الإهتمام

رغم كثرة الأحزاب التي تخوض غمار الإنتخابات العامة بمدينة مراكش، ورغم مئات المرشحات والمرشحين المتنافسين على مقاعد في المجلس الجماعي لمراكش أو مجلس الجهة أو البرلمان، ورغم الإختلافات الإيديولوجية والمذهبية المفترضة بين يمين ويسار ووسط، إلا أن هذه التصنيفات لم تعد تسعف في تحديد الفروقات والفواصل بين هذا الحزب أو ذاك.

 

انتخابات مراكش.. بين المقاطعة والمشاركة

شخصيا، وللأسف الشديد، لم أعد مقتنعا بهذه التصنيفات القائمة على أساس فكري أو اديولوجي، لسبب بسيط، هو أن الأحزاب السياسية أو،على الأقل، القيادات الحزبية المركزية والمحلية، تخلت تماما عن مرجعياتها الفكرية والإيديولوجية المعلنة في أرضياتها التأسيسية وأدبياتها، وأصبح هاجسها الأساس هو كيفية حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد في المؤسسات المنتخبة من أجل الإشراف على تدبيرها أو المشاركة في تسييرها بأي ثمن كان، ولا يهم هنا طبيعة البرامج التي يقدمها هذا المرشح أو ذاك، أو هذه اللائحة أو تلك.

 

و يضاف إلى هذا كله، الترحال الحزبي (وليس السياسي) الذي أصبح ظاهرة شبه عامة لم يسلم منها، تقريبا، أي حزب من الأحزاب المشاركة في هذه الإنتخابات.

 

ولعل دعاة المقاطعة، هنا، يجدون مبررات مشروعة ومقنعة إلى حد ما، لدعوة الناخبين لمقاطعة هذه الانتخابات، بدعوى أنها غير مجدية للأسباب السالف ذكرها وأخرى عديدة. لكن سواء نجحوا في تعبئة وإقناع المواطنات والمواطنين بالمقاطعة أم لا، (ولأن أمر المقاطعة أو المشاركة لا يمكن أن يكون إلا نسبيا)، فإن المؤسسات المنتخبة سيتم تشكيلها في كل الأحوال، مباشرة بعد الـ 8 من شتنبر، وستكون هي الممثلة الشرعية لعموم المواطنين الذين قاطعوا منهم أو المشاركين، إن على المستوى المحلي/ الجماعات الترابية ومجالس الجهات، أو على مستوى المؤسسة التشريعية.

 

وعليه، فإن أقل الأضرار هي دعوة المواطنات والمواطنين إلى المشاركة لا المقاطعة، واختيار الأنسب لتدبير شؤونهم، لكن كيف السبيل إلى ذلك ونحن نتحدث عن اختفاء المرجعيات الفكرية والإيديولوجية، التي على أساسها يتم إعداد البرامج والمشاريع، وبالتالي على أي أساس سيتم الإختيار؟.

على أي أساس نختار؟

 

وللجواب على سؤال من نختار وكيف نختار، لابد من توفير مجموعة من الشروط، لعل من بين أهمها:

 

1- تقديم الأحزاب السياسية لنقد ذاتي، بعدما تخلت عن أدوارها الأساسية، خاصة المنصوص عليها في الدستور، والمتمثلة بشكل واضح وصريح في تأطير المواطنين. وبالتالي مراجعة جميع طرائق تدبيرها لهياكلها المحلية، الإقليمية والوطنية، وفتح أبوابها أمام الشباب والمرأة وكل الكفاءات المؤهلة والقادرة على الانخراط الواعي والمسؤول في تدبير الشأن العام.

 

2- فتح مقرات الأحزاب على مدار السنة لتكون فعلا فضاء للتكوين السياسي، ومراكز للدراسات الميدانية المرتبطة باحتياجات المواطنات والمواطنين، والوقوف على الخصاص الذي تعرفه كل منطقة على حدة، حتى يتسنى للحزب وأبناء الحزب صياغة البرامج والمشاريع التي يمكن أن تغير من أوضاع كل منطقة وانخراطها في محيطها الاقتصادي والتنموي بشكل عام اعتمادا على دراسات علمية وميدانية قبلية.

 

3- تحويل مقرات الأحزاب الى مشاتل لتكوين وإنتاج النخب القادرة على إدارة الجماعات الترابية وتدبيرها، والمؤهلة لتدبير الشأن العام. فليس المهم كم عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب في هذه الجماعة أو عدد الحقائب الوزارية التي حصل عليها في الحكومة، ولكن الأهم هو كيفية تدبير هذا الإطار الحزبي لدواليب الجماعة أو الوزارة.

 

ما العمل، هنا والآن؟

ومما لا شك فيه، أن مثل هذه الشروط لا يمكن تحقيقها إلا عبر سنوات من الممارسة والعمل الجاد والدؤوب، ولكن حتى ذلك الحين، ما العمل هنا و الآن؟، هل ندعو الناس إلى رفع أيديهم وعدم المشاركة أو المساهمة في تحمل المسؤولية، خاصة وأننا اليوم، وسط استحقاقات متعددة محلية، جهوية و وطنية؟، وهذه الاستحقاقات تجري في محيط إقليمي يواجه في بلدنا تحديات كبرى.

 

في تقديري الشخصي، الدعوة للمقاطعة في مثل هذه الظروف ليست ذات جدوى. إذ أن عدم اكتراث المواطنات والمواطنين بالإنتخابات واقع لا يمكن التغاضي عنه، لأسباب عديدة لا يسمح المجال، هنا، لتعدادها. كما أن دعاة المقاطعة لا يمكنهم، بأي حال من الأحوال، أن ينسبوا عدم اكتراث المواطنين للشأن الانتخابي، لهذه الدعوات التي يطلقونها عبر مختلف الوسائط. كما أن تشكيل المجالس الجماعية، مجالس الجهات والبرلمان والحكومة هي نتيجة حتمية لهذا المسلسل الانتخابي بغض النظر عن نسبة المشاركة.

 

وعليه، فإن مشاركة المواطنات والمواطنين في اختيار ممثليهم على صعيد المقاطعات والمجلس الجماعي ومجلس الجهة والبرلمان، هي ضرورة ملحة بالنظر إلى أن التركيبة التي ستخرج من صناديق الاقتراع هي التي ستكون بعد 8 شتنبر ممثلتها على صعيد هذه المؤسسات، وبالتالي يمكن لمشاركة المواطنات والمواطنين في هذه الاستحقاقات، عبر الإدلاء بأصواتهم، أن يحددوا، إلى حد ما، مصيرهم خلال السنوات الخمسة أو الستة المقبلة.

 

 

كثرة الألوان.. لونان فقط يستحقان الإهتمام

وفي ظل غياب الشروط التي سبق وأن ذكرنا، والتي على أساسها يمكن الاختيار، فإننا اليوم أمام خيار واحد ووحيد، هو المشاركة عبر اختيار المرشحين أو القوائم التي يمكن ان تتوفر فيها الحدود الدنيا من الكفاءة والقدرة على تدبير الشأن العام، محليا أو وطنيا. لكن على أي أساس؟

 

أعود لأقول، في ظل عدم وضوح الرؤية السياسية، ورغم كثرة الألوان والأطياف فإني أصنف الجميع ضمن خانتين أو لونين لا ثالث لهما، “مؤهل” و “غير مؤهل”، “نزيه نظيف”، و “فاسد”… و لا شك أن النساء والرجال المؤهلين بكفاءاتهم العلمية والتدبيرية ونظافة يدهم يمكن العثور عليهم في هذه اللائحة أو تلك، وعلى أساسها يمكن الاختيار الآن، لأننا في كل الأحوال سنجد أنفسنا بعد الـ8 من شتنبر مرهونون بتشكيلة معنية لولاية آخرى.

 

ويمكن هنا تقديم بعض المعايير التي نرى أنها يمكن أن تكون مقياسا لهذا الإختيار:

1- أن يعاد اختيار من أبانوا في تجارب سابقة عن حنكة وقدرة على التدبير بكل مصداقية ونزاهة على صعيد مدينة مراكش، ولعل القوائم المرشحة اليوم على صعيد المقاطعات، لا تخلوا من هذه النوعية من الكفاءات.
1- أن يكون الاختيار على أساس نظافة اليد، وذلك لعدم تورط هذا المرشح أو ذاك في قضايا الفساد أو تبديد أو اختلاس المال العام، خلال التجارب السابقة.
2- أن يكون المرشح (ة) مؤهلا، علميا ومعرفيا، و مجربا قادرا على تدبير الشأن العام المحلي، إذ لا يمكن التعويل على “الأمي” أو العاجز علميا وفكريا وتدبيريا أن يقود مصالح المجلس الجماعي لمدينة مراكش أو يمثل ساكنة المدينة على صعيد البرلمان.

 

 

لنعد لمراكش وهجها و بريقها

تلك بعض الخصائص التي نعتقد أنها تشكل الحد الأدنى المعقول والمقبول في عملية اختيار ممثلي مدينة مراكش على صعيد الجماعة أو الجهة أو البرلمان. ولا شك أن هذه الخصائص متوفرة، على الأقل، في بعض القوائم التي تقدمت للمنافسة في هذه الاستحقاقات. إذ فيها المقاول الناجح، والمهندس المبدع، والطبيب اللامع والصيدلاني الكفؤ، والمحامي والأستاذ والتاجر والموظف المجرب والمرأة الناجحة في إدارة الأعمال والشاب المؤهل.

 

إن دعوتنا للمشاركة واختيار الكفاءات القادرة أملته غيرتنا على مدينة مراكش، والتي عرفت خلال السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا على جميع المستويات، فنظافة شوارعها التي كان يضرب بها المثل على الصعيد الوطني أصبحت متسخة و يعمها الظلام، رغم ما لهفته شركات النظافة وحاضرة الأنوار من عشرات الملايير. و حدائق المدينة التي كانت مفخرة الحمراء تحولت إلى صحاري جرداء، بسبب سوء التدبير وغياب الكفاءات، وتنامي ظاهرة الفساد بشكل غير مسبوق. ولعل جائحة كورونا كشفت بالملموس غياب الحيلة لدى المدبرين في إخراج عدد من القطاعات الهشة من أزمتها. ولذلك فإن المدينة في أمس الحاجة إلى الكفاءات القادرة والمؤهلة لوضع مخطط استراتيجي يهدف إلى تنويع اقتصادها وإعادة هيكلته من جديد، ولكن قبل ذلك كله، المدينة في حاجة إلى مدبرين يعيدون للمدينة بريقها حتى تتحول إلى مدينة قادرة على استقطاب استثمارات محلية ودولية.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى