رأي

قراءة أولية في مفهومي “حالة الطوارئ” و”الطوارئ الصحية”

يقال إن المناسبة شرط، و مناسبة هذا البحث كانت هي القرار الصادر يومه 19/03/2020 في شكل بلاغ عن وزارة الداخلية بالمملكة المغربية، و الذي جاء في سياق سلسلة التدابير الاحترازية التي نهجتها الدولة منذ ظهور هذا الفيروس، و الذي ينم عن يقظة و عن حس بالمسؤولية، خاصة و أن استقراء  هذه التدابير – في بعدها الكرونولوجي رغم قصره- و المتخذة في هذا الإطار يتضح أن هذا الملف يدار بحكمة و تبصر، ساهمت فيها بشكل كبير التجارب السابقة لبعض الدول سواء تلك التي ربحت رهان المواجهة مع فيروس كورونا كالصين مثلا، أو تلك التي عجزت نسبيا في تدبير هذا الصراع و نال منها رغم ما توافر لها من الإمكانيات كإيطاليا ، أو، أيضا، تلك التي توجد في نفس مستوى البلاد من حيث عدد المصابين.

الاستقرار هو الأًصل

و تفعيل  التدابير الاحترازية التي عملت على تأجيل انتشار هذا المرض، و التي اعتبرتها أعلى منظمة صحية عالمية بأنها هي الوسيلة المثلى لمواجهة هذا الفيروس القاتل.
 

فالأصل في الدولة أن تعيش بصورة دائمة في حالة من الاستقرار  العام تنظمها وتحكم علاقاتها مجموعة من القواعد الدستورية والقانونية المحلية و الدولية ، واستثناءً من هذا الأصل قد تتعرض الدولة في بعض الأحيان لأخطار جسيمة تصبح القواعد العادية عاجزة عن مواجهتها، ويصبح من الضروري مواجهتها بقواعد استثنائية، هذه الأوضاع والتدابير الاستثنائية يطلق عليها (حالة الطوارئ) state of emergency.

 

وهكذا فحالة الطوارئ تعرف على أنها مجموعة من الإجراءات الاستثنائية التي تتخذها السلطة التنفيذية بقرارات إدارية في أحوال محددة على سبيل الحصر وضمن شروط معينة.
 

هذه الحالة الشاذة في المشهد السياسي  تناولها القانون الدولي من خلال العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية، الصادر عام 1966، إذ حدَّد الشرط الأساسي لفرض حالة الطوارئ في وجود خطر عام واستثنائي يتهدد وجود الأمة، على أن يتم إعلان حالة الطوارئ بشكلٍ رسمي وذلك منعا لشيوعِ الممارسات الضارة بالحريات في أوقات ليس لها طابع الاستثناء.

الطوارئ وحقوق الإنسان

ونص العهد الدولي للحقوق المدنية والحريات على ألا تكون التدابير المتخذة متعارضة مع التزامات الدولة المعنية بموجب القانون الدولي، كما حذَّر من أن تأخذ إجراءات الطوارئ نزعة تميزية قائمة على العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين.

و يحذر العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية كذلك من أن حالة الطوارئ يجب أن تُعلن في ضوءِ تقدير دقيق وموضوعي للأحداث بحيث تُناسب التدابير المتخذة و الوضعية القائمة دون مبالغة.
 

وتستمر حالة الطوارئ ما دامت الأوضاع القائمة تقتضي ذلك، إلا ان من الأنظمة من جعل مددا محددة لحالة الطوارئ كفرنسا مثلا التي تحدد المدة التي يجيزها القانون لحالة الاستعجال في اثنا عشر يوماً، فإذا أرادت السلطة المختصة تمديدها، وجب عليها عرض الأمر على مجلس الوزراء، لإصدار قانون بها حسب الطرق الدستورية المتبعة.

الطوارئ أنواع

و تتلخص الغاية من  إعلانُ حالة الطوارئ في منح صلاحيات استثنائية للسلطات الإدارية، خاصة الشرطة التي تُخولها حالة الطوارئ المسَّ ببعض الحريات والحقوق الأساسية الفردية والجماعية، كالحق في التنقل وحرية الصحافة وحرية التظاهر والتجمع.
 

و هناك ثمانية أنواع من حالات الطوارئ الطبيعية:
 

حالات الطوارئ الكونية،

الطوارئ الجيوفيزيائية .

الطوارئ الجيولوجية .

حالات الأرصاد الجوية .

حالات الأرصاد الجوية الهيدرولوجية .

الطوارئ الهيدرولوجية البحرية .

حالات الطوارئ الهيدرولوجية .

الحرائق.
 

و تتعدد الإشكالات المتعلقة بإعلان حالة الطوارئ ومنها التخوف من المس بالحريات واتخاذ الوضعية الاستثنائية السائدة ذريعة للتضييق على جهة أو شخص بسبب قناعاته السياسية أو العقدية أو لانتمائه الإثني أو نحو ذلك.
 

ومرد هذه المخاوف يعود في الأصل إلى أن حالة الطوارئ تُخل بالتوازن الكلاسيكي بين السلط والذي هو الضامن الأساسي للحريات، فحالة الطوارئ تضعُ على المحك التوازن الكلاسيكي الهش بين الحريات والأمن.
 

فقانون الطوارئ يمنح  سلطات واسعة للشرطة والأجهزة الأمنية، إذ يُمكنها مثلا منع تجمعات وغلق مرافق عمومية ووضع أشخاص رهن الاقامة الجبرية إذا قدَّرت أنَّ حريته ربما تُخلُّ بالأمن العام، كما يُفوض قانون الطوارئ الشرطة صلاحية إجراء مداهمات لمنازل تشتبه بوجود خطر ما فيها.

حالة الطوارئ في دستور المغرب

و في بلدنا المغرب فإنه لم يرد أي نص صريح لحالة الطوارئ و إجراءات تنظيمها بهذا المفهوم ، الا ما يستفاد من بعض المقتضيات الدستورية المتفرقة و من بعض التطبيقات المشابهة لها.
 

 فالدستور المغربي يتناول حالة الاستثناء في الفصل 59 وحالة الحصار في الفصل 74. أما الحالة الراهنة المتعلقة بـ”حالة الطوارئ الصحية” لا تندرج ضمن الفصلين المذكورين. غير أنه يمكن الحديث هنا في إطار الفقرة الأخيرة من الفصل 24 والمتعلقة بحرية التنقل والتي لا يمكن تقييدها إلا بقانون.
 

 هذا الفصل يرتبط وحالة انتشار الوباء هذه بضرورة الحفاظ على سلامة السكان، و الذي يعتبر من مهام السلطات العمومية حسب منطوق الفصل 21 ، و بالتالي ما دام أن الإجراء اقتضته المصلحة العليا للوطن، والخطر المحدق بحياة المواطنين والاستقرار بالبلد، و أن السبيل الوحيد لمحاصرة الوباء و مواجهته يتمثل بالأساس في لزوم كل المواطنين في مقرات سكناهم، و على الجميع الانضباط لقرارات السلطة في هذا الظرف العصيب جدا، خاصة أمام تزايد عدد الإصابات بعدوى الفيروس، و أمام تزايد المخاوف من انتشاره بشكل مريب، و عجز العديد من الدول في وقف زحف هذا الفيروس رغم ما توفر لها من إمكانيات متطورة، و تماشيا أيضا مع توجهات منظمة الصحة العالمية التي تعتبر بقاء كل مواطن في منزله الوسيلة المثلى لمواجهة انتشار العدوى، و إلى حدود يومه يجد العالم نفسه محاصرا بهذا الفيروس، دون أن يجد مصلا مضادا و شافيا لعلاجه.
 

لذا فمن واجب المواطن المغربي التجاوب مع هذا القرار الذي أملته و فرضته حالة استعجالية و وبائية خطيرة ، حتى يساهم بدوره في تفعيل مبدأ  الوقاية كسبيل وحيد و أوحد لحدود يومه في كبح تداعيات هذا الوباء.

حسن الفطواكي

محامي بهية مراكش

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى