المراكشي





أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مجلة

1212..في انتظار المهدي


حميد اليوسفي - الجمعة 22 ماي 2020



قصة قصيرة

بيوت من حجر وطين يشد بعضها بعضا بين جبال تكسوها بعض أشجار الأرز . لا طريق معبد ولا مستشفى ولا إدارة . مدرسة صغيرة عبارة عن قاعة وغرفة مجاورة خصصت كسكن للمعلم ، على هامش الدوار بالقرب من حقول اللوز والتين والجوز التي تنعكس ظلالها على مياه الوادي ، داخل مساحات صغيرة تفصل بينها حواجز من حجر متراكم بجانب بعضه البعض . ينصع بالبياض كأن الماء صقله ونظفه من الأوساخ والأتربة . 
 

بعد فرض الحجر الصحي وإغلاق الأسواق الأسبوعية تضررت حياة أهل القرية . لم يعد بإمكانهم بيع جدي أو خروف أو جوز أو بعض الدجاج البلدي لاقتناء لوازم البيت من سكر وشاي وخضر وحبوب.
 

بدأت بعض المواد تشح يوما بعد يوم في دكان سي علي . اقتناء حاجيات جديدة يحتاج إلى المال ، والمال بدأ ينفذ . فتَح بابَ الديون بحذر وبقدر أدنى من الشاي والسكر. في اليوم الأول من شهر رمضان جمعهم المقدم وقال بأن القائد طلب منه أن يخبرهم بأن (سيدنا) قد خصص دعما للأسر التي فقدت موردها الاقتصادي بسبب جائحة كورونا . وأنه يكفي للحصول على هذا الدعم أن ترسل تصريحا للرقم 1212 الذي أحدثته لجنة اليقظة الاقتصادية لاح في الأفق أمل جديد . رغم أنهم لا يتوفرون على هواتف شخصية فقد استغلوا هواتف أبنائهم الذين عادوا من ثانويات الإقليم إلى بيوتهم.
 

نشط الأبناء في ملأ تصريحات الأهل والجيران لإرسالها إلى الرقم 1212 . عملية استغرقت الكثير من الوقت والجهد ، ونالت إعجاب الكبار . واقتضت اقتناء بطاقات تعبئة بخمسة دراهم أضيفت إلى ديونهم عند سي علي البقال.


الصعود إلى المهدي

الصعود إلى قمة الجبل عمل شاق ومضن خاصة في شهر رمضان ويحتاج إلى أكثر من ساعة مشيا على الأقدام . لكنه أقرب مكان إلى القرية يلتقط إشارة شبكة الاتصالات.
 

أخيرا تمكنوا من بعث التصريحات والعودة إلى الدوار . عم الناس فرح كبير. زغردت النسوة وصفق الأطفال وجروا يهتفون بين الأزقة بأن الرسائل (مشات) . فسر بعضهم بأنها ستصل إلى الملك وسيطلع عليها ويرسل إليهم الدعم . البعض تخيله قدرا من المال والبعض الآخر قال بأنه كميات كثيرة من المواد الغذائية ستكفيهم سنة بتمامها . لم يسبق لهم أن طلبوا شيئا من أحد . حتى المرشح الذي يرسل من يكذب عليهم مرة كل ست سنوات لم يطلبوا منه شيئا . منذ أكثر من أربعين سنة وهو يعدهم بالطريق والمستشفى وتوسيع المدرسة وتوفير كل ما يحتاجونه من سلع . لكن شيئا من ذلك لم يحدث . وشكك البعض في أن يترك أصحاب الحسنات هذه الرسائل تصل إلى الملك.
 

لابد من صعود أحدهم كل يوم إلى قمة الجبل وانتظار أن تستقبل الهواتف جواب الرقم 1212.
 

تطوع محمد للقيام بهذه المهمة.. صعد الجبل.. لم يصل إلى قمته حتى نشف حلقه. نشر الهواتف تحت ظل الشجرة المباركة واتكأ بجانبها . تأكد من وجود إشارة الإتصال . ورفع يديه إلى السماء وطلب من الله والرقم 1212 أن يستجيبا لدعوات سكان القرية قبل أن يفتك بهم الجوع. أزال قطعة حجر حادة من تحت ذراعه. سرقته وسنة خفيفة، تخيل نفسه يرى الملك يمر بسيارته بالقرب منه، وهو يلوح مع الناس بالأيدي ويدعو له بالنصر والعيش الكريم، وخلف الموكب شاحنات مليئة بعلب السكر والشاي والزيت والخضر والفواكه وأكياس الدقيق. أيقظته رنة جرس الهاتف من غفوته . لم يجب عن المكالمة كما أوصاه أصحاب الهواتف بذلك. مهمته تنحصر في استقبال أجوبة الرقم 1212، والحفاظ على البطاريات حتى لا تنطفئ الأجهزة، وتضيع حقوق الناس. رأى نفسه أمام مسؤولية جسيمة انتظر حتى اقترب آذان المغرب. بقي له من الوقت ما يكفي للوصول إلى الدوار. النزول من أعلى لن يكلفه جهدا كبيرا.
 

قبل الفطور أعاد الهواتف إلى أصحابها . ملامح وجهه تكشف لكل من تسلم جهازه بأنه لم يوفق بالحصول على جواب.
 

مر أسبوع بدون أجوبة. في كل يوم يصعد محمد الجبل في الصباح الباكر ويعود خائبا في المساء. حتى شك البعض بأنه قد يكون وجه نحس يمنع الرسائل من أن تطير إلى الرباط.


شكوك حول المهدي

بدأ الشك يتسرب إليهم.. قال أحدهم: من يدري قد يعترض القائد أو المرشح أو الشيخ هذه الرسائل ولا يتركها تصل إلى الملك خوفا من أن يُفتضح أمرهم. اختلف معه جاره وحذره من ربط القائد والشيخ والمرشح بهذا الموضوع، فإذا وصل ذلك إلى سمعهم فإنه قد يقضي على أي أمل في الحصول على الدعم. قال ثالث ربما كثرة الرسائل لم تسمح بعد بالاطلاع على رسائلنا. وشكك رابع في قدرة شبكة الاتصال على نقل الرسائل.
 

في الأسبوع الثالث بدأت بعض الأجوبة تصل تباعا. وأخيرا اطمأنوا على أن رسائلهم وصلت إلى الرباط. الآن عليهم انتظار موعد آخر لصرف الدعم كما قالت الأخبار في المذياع. لكن الدوار لا يتوفر على وكالة بنكية أو إدارة بريد أو دكان تسهيلات. أقرب هذه المؤسسات تبعد عن القرية بحوالي عشرين كيلومترا أو أكثر كورونا لم يصل إلى القرية. كم ضحكوا يوم سلمهم المقدم مجموعة من الكمامات وطلب منهم لبسها هم وأبناؤهم . اعتقدوا بأنهم يجب أن يخفوها و يحتفظوا بها للأيام الصعبة القادمة.
 

تأخرت الأجوبة أكثر من اللازم. أصبح السكان يخافون وباء الجوع أكثر من كورونا. الرقم اللعين 1212 مثل المهدي المنتظر، قد لا يُبعث حتى تقوم الساعة. بعضهم هدد بأنه إذا لم يتلقوا الجواب في الأسبوع القادم حول متى سيصل الدعم إلى القرية فليس أمامهم سوى الذهاب رفقة أبنائهم ونسائهم إلى القيادة ولن يعودوا إلى القرية حتى يظهر المهدي المنتظر أو يخرج الرقم الملعون عن صمته.



في نفس الركن
< >

الخميس 4 يونيو 2020 - 12:30 سارق الإبل


تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات