المراكشي





أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مراكش

يا عمدة مراكش..ديوان الكتبية إحياء للذاكرة ووصلها بالحاضر


عزيز باطراح - الثلاثاء 26 يناير 2021


خلال الست سنوات الأخيرة التي دبر فيها حزب العدالة والتنمية شؤون المدينة الحمراء، كشف عن تحقيره، إن لم نقل، عدائه للشأن الثقافي بشكل جلي، ونكاد نجزم بجهله الواضح والجلي بالشأن الثقافي و أبعاده ومراميه وأهميته في التنمية المستدامة، وبالتالي إسهامه في تطور الإنسان والنهوض بشؤون البلاد. ويتضح ذلك من خلال، على الأقل، ثلاثة ملفات كبرى تعد علامات من العلامات الثقافية التي كان بالإمكان أن تشكل قيمة مضافة للمدينة. وتتمثل في "مراكش عاصمة الثقافة الافريقية"، "ديوان الكتبية" ومتحف الذاكرة الشفهية: جامع الفنا.


صفر..الحصيلة الثقافية للعمدة

لقد حرم  عمدة مراكش ساكنة المدينة  من الحدث الثقافي القاري "مراكش: عاصمة الثقافة الأفريقية"، إذ لم يدافع بأي شكل من الأشكال عن هذا الحدث الهام،  ولم يقدم أو يكشف عن أي استعداد مادي أو لوجيستيكي لاحتضان المدينة لهذا الحدث القاري الكبير والذي تستحق مراكش احتضانه عن جدارة واستحقاق. قبل أن تتلقفه العاصمة الرباط في غفلة من  المراكشيات و المراكشيين. وهو الأمر الذي أكد من خلاله العمدة وفريقه أن الشأن الثقافي لا يدخل نهائيا ضمن أجندة حزب العدالة والتنمية بهذه المدينة، والتي ظلت لقرون رمزا ومنارا  للعلم والفكر والآداب والفنون.
 

أما الملف الثاني، فيتعلق بمتحف الذاكرة الشفوية: جامع الفنا، والمقرر أن يحتضنه المقر السابق لبنك المغرب بمحيط الساحة التاريخية جامع الفنا، حيث ظل الملف على الرف بمكتب العمدة منذ موافقة الملك على المشروع سنة 2014. وبعدما بارت حيلة العمدة وفريقه، حيث وقفوا عاجزين عن إخراج المشروع إلى حيز الوجود، وبدل الرجوع إلى الرجالات والأخصائيين الذين كانوا وراءه، أعادوه إلى والي بنك المغرب من أجل إقامة متحف للنقد المغربي القديم.
 

وبمجدر وصول رسالة العمدة إلى والي بنك المغرب، رد عليه بشكل واضح وصريح، بأن مؤسسة بنك المغرب سبق وأن تنازلت عن هذا العقار  من أجل إحداث متحف للذاكرة الشفوية "جامع الفنا"، وهو مشروع ملكي ولا يمكن لبنك المغرب بأي شكل من الأشكال أن يتسلم هذا المقر من أجل إحداث مشروع مختلف عن المشروع الملكي… وهنا يمكن أن نجري مقارنة بسيطة بين رد فعل مؤسسة بنك المغرب التي تحترم قراراتها، وبين عمدة مراكش الذي لم يحترم المشروع ولم يأخذ بعين الاعتبار العناية السامية للملك بهذا المشروع.
 

وقبل أن ينتهي مقر بنك المغرب بين يدي مؤسسة المتاحف الوطنية، ظل بعض كبار المنتخبين يخططون و"يهندسون" من أجل إخراج المشروع إلى حيز الوجود، حيث فكروا في هدم أجزاء منه وإعادة بنائها، وإحداث مطعم ومقهى في سطحه، ما جعل أحد المهندسين بالمجلس ينبه إلى أخطار هذه الخطوات غير المحسوبة. وهو ما يكشف عما يبرع فيه منتخبوا هذه المدينة، وكيف يسيل لعابهم على "الهموز"، إذ لم يكن بعضهم مهتما بالمتحف  في حذ ذاته، وإنما بـ" مشاريع الهمزة" المرافقة التي يمكن أن تذر عليهم "وسخ الدنيا".
 

وإذ خرج المشروع من أيدي مدبري شؤون المدينة و تلقفته المؤسسة الوطنية للمتاحف، فنتمنى ألا تفرغه هي الأخرى من محتواه،  خاصة بعد الأًصداء التي وصلت  وتفيد أن الفضاء سيتحول إلى معرض للصور واللوحات بنفس وروح غربية لا محلية، وهوما يمكن أن يفرغ المشروع من محتواه. إذ أن الأهم فيه هو أن يشكل فضاء لعرض كل الصور الخاصة بالساحة والأشرطة السمعية والبصرية التي توثق لتاريخ الفرجة وفنون الحلقة، ومكانا يحتضن فناني ورواد الحلقة ومدرسة يلقن فيها الحكواتيون فنون العرض للأجيال الصاعدة.


ديوان الكتبية.. إحياء للذاكرة

ملف آخر من الملفات الفارقة في الشأن الثقافي-الروحي وإحياء الذاكرة، طاله الإهمال قبل أن يتم إقباره من طرف مسؤولي المدينة، ويتعلق الأمر بـ "ديوان الكتبية". هذا المشروع الذي اشتغل عليه مجموعة من الأطر والفعاليات والكفاءات العلمية والتقنية من أبناء مراكش  وكبار الأطر العلمية والثقافية من خارج المدينة، (اشتغلوا عليه) لسنوات امتدت ما بين 2007 و2014، السنة التي وافق الملك محمد السادس خلالها على هذا المشروع، والذي لمس فيه قيمة ثقافية وفكرية وروحية، لعل مدبري الشأن المحلي لا يملكون ما يكفي من الذوق الفكري والثقافي ليفهموا المغزى الحقيقي للمشروع وأبعاده في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ولعله الأمر الذي جعلهم يهملون الملف على الرفوف لسنوات قبل أن يقرروا نقله من محيط مسجد الكتبية، مكانه الطبيعي، إلى زاوية معزولة بالمقر القديم للمكتب الصحي.. وبعد سنتين كاملتين قرر عمدة مراكش مرة أخرى نقل المشروع إلى المقر القديم لغرفة الصناعة التقليدية بساحة جامع الفنا.
 

إن سلوكا وتعاملا  مع هكذا مشروع، يكشف على أن من أسندت إليهم أمور أهل مراكش، لا يفقهون في الشأن العلمي والثقافي والمعرفي شيئا، أو على الأقل، لم يستوعبوا مشروع "ديوان الكتبية"، والأهداف والمرامي الكامنة وراءه، واكتفوا بترديد شائعة تقول:" محيط الكتيبة منطقة منزوعة البناء"، دون أن تكون لهذه المقولة أو "القانون" أي سند علمي أو حجة معرفية بفضاء الكتبية وبتاريخ هذا الفضاء القريب أو البعيد.
 

فإذا كان محيط الكتبية منطقة منزوعة البناء قانونا فإن القانون ليس كتابا منزلا، بدليل أن بنايات ومنشآت عمومية بنيت في مناطق منزوعة البناء قرب أسوار مراكش، ولعل من بين أبرزها مقر ولاية جهة مراكش آسفي، قصر العدالة قرب حدائق أكدال، المحطة الطرقية بباب دكالة… فالأمر هنا يتعلق بمصلحة عامة جعلت المسؤولين يقدمون اجتهادات تسمح ببناء منشآت عامة ضرورية وبالمقابل تقليص المساحة الفاصلة بينهااوبين الأسوار التاريخية، وهو نفس الأمر الذي نحن بصدده الآن، بل ربما أكثر وأهم، لأن المشروع ، ها هنا، يروم إحياء الذاكرة وإعادة بناء ما كان واقعا وهو سوق الكتاب زمن المرابطين والموحدين بنفس المكان، لكن بنفس وروح يراعيان القيمة التاريخية والحضارية للمكان وما انتهت إليه المعرفة والعلوم الحديثة بتراثنا وفنون عمارتنا المغربية الأندلسة.

 

الاستعمار فصل الكتبية عن محيطها

ولنا فقط أن نعود إلى بعض المصادر التاريخية، إذ فضلا عن الحي المرابطي بمحيط مسجد الكتبية، تحدث المؤرخون عن وجود ما لا يقل عن 100 محل لبيع وصناعة الكتاب، وهذا ما يهمنا أساسا في الموضوع الذي نحن بصدده، حيث كانت هذه الدكاكين، كما ذكر المؤرخ محمد الوزان، المعروف بـ"ليون الافريقي"، أن محيط  مسجد الكتبية كان يضم نحو 100 محل مختص في الكتاب، بما يعني ذلك من نساخ ومسفري الكتب و مذهبيها و باعة الورق وغيرها من الفنون والصناعات المتصلة بصناعة الكتاب.
 

وبحسب الرواية الشفوية المتناقلة من جيل لجيل بين المراكشيات والمراكشيين، وحتى حدود سنوات قليلة من دخول الاستعمار الفرنسي مدينة الرجال السبعة، كان مسجد الكتبية ومحيطه متصلان مباشرة بحي القصور عبر بنايات ومساكن ورياضات، قبل أن يعمل الاستعمار على فصل الكتبية عن المدينة فصلا تعسفيا، ومن تم سن قوانين تمنع البناء بمحيطها، ومشروع ديوان الكتبية من بين أهدافه  وصل ما قطعه الاستعمار.
 

ولعل المتمسكين اليوم بمنع البناء بمحيط الكتبية بدعوى وجود مآثر تاريخية، لا يختلفون عن نظرائهم بأوروبا في القرن الـ19، غير ان هذا التوجه تصدى له كبار المثقفين، بفرنسا مثلا، مع نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، نظير فيكتور هيكو وبودلير، قبل أن يتم دحض هذا التوجه بشكل كلي عبر الأبحاث الأركيولوجية والعلمية التي انتهت إلى أن إقامة مشاريع ذات طابع ثقافي بمحيط هذه المأثر من شأنه أن يعيد إحياء الذاكرة والموروث الثقافي وليس العكس.
 

ونحن إذ ندافع عن هذا المشروع الثقافي بمحيط الكتبية، فإننا ندافع عن الكتاب بشكل عام، وعن إحياء الذاكرة بما يعني ذلك إحياء مجموعة من الحرف والمهن المرتبطة بفنون وصناعة الكتاب، والتي تفطن إليها ملوك الموحدين حيث أصبحت بذلك مراكش عاصمة الدولة وعاصمة العلم والمعرفة، و قبلة لكبار الفلاسفة والعلماء والشعراء والأدباء.
 

 ولنا أن نتصور مع هذا المشروع بمحيط الكتبية، كم عدد الفتيان والشبان الذين يمكنهم أن يتعلموا حرفة تسفير الكتاب التي ضاعت بوفاة (معلمين) هذه الحرفة بمراكش، ولم يتبق منهم إلا عددا محدودا هو اليوم أقل من عدد أصابع اليدين؟. ولنا أن نتصور كم حجم مساهمة هذا المشروع في نشر الكتاب وترويجه بين زوار مراكش من المغرب وخارجه؟، كما يمكن أن نتأمل في عدد الأنشطة الثقافية والفنية واللقاءات العلمية والروحية التي يمكن أن يحتضنه هذا الصرح الحضاري الفكري والروحي المسمى فضاء الكتبية.

يا عمدة مراكش..ديوان الكتبية إحياء للذاكرة ووصلها بالحاضر

تغيير مكان المشروع إعدامه

وإذ ندافع، هنا، عن هذا المشروع الثقافي غير الربحي، فإننا ندافع عن إحياء ذاكرة ثقافية جماعية، توصل ماضينا بحاضرنا ومستقبلنا، وهو، هنا، تاريخنا الحضاري الثقافي والعلمي الذي بلغ به المرابطون والموحدون مختلف الأصقاع. وإذ ندافع عن إحياء هذه الذاكرة وهذا التاريخ، فإننا بذلك ندافع عن وصله بالحاضر والمستقبل. كما أننا ندافع عن مشروع كان ثمرة مجهود لثلة من مثقفي وتقنيي وأطر هذه المدينة ونخبة من مثقفي المغرب، الذين جمعهم حب هذه المدينة العظيمة بتاريخها الحضاري، الفكري والثقافي والفني، وقدموا المشروع أمام الملك محمد السادس وتجاوب معه على الفور لما لمس فيه من أهمية كبرى تستجيب للمفهوم الحقيقي للتنمية المستدامة في بعدها الثقافي الروحي والفكري. 
 

إن إقدام عمدة مراكش على تغيير مكان المشروع إلى المقر القديم للمكتب الصحي ثم إلى المقر القديم لغرفة الصناعة التقليدية، يكشف عن جهل كبير بالأهداف العظيمة والنبيلة للمشروع، بل يكشف، أيضا، عن جهل بتاريخ المدينة ومناراتها العلمية والمعرفية، وضمها محيط الكتبية. إننا يا عمدة مراكش أمام مشروع يروم إحياء الذاكرة الثقافية لعاصمة المرابطين والموحدين،  وفي مكانها الأصلي والطبيعي، إذ أن تغيير مكان المشروع هو بمثابة إخراج سمكة من بحرها ووضعها في "أكواريوم"، وهو ما يعني ببساطة، إعدام المشروع.

يا عمدة مراكش..ديوان الكتبية إحياء للذاكرة ووصلها بالحاضر



1.أرسلت من قبل حميد ايت الأجر في 27/01/2021 08:55
كان الله في عونك يا مدينتي لقد اودعك سكانك في يد لا تقدر قيمتك في نفوس الغيورين على ثراتك المادى فكيف لعقولهم ونفوسهم الظعيفة أن تفك شيفرة ثراتك اللامادي حتى تقدره حق قدره وان توليه العناية التي يستحق أشد على يدك وعلى يد كل غيور على هذه المدينة سي عبد العزيز

تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات