المراكشي





أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مراكش

يا بنكيران.. الفساد فساد..ِ لا فرق فيه بين خفيف وثقيل


عزيز باطراح - الجمعة 19 فبراير 2021


يا عبد الإله بنكيران، لا يمكن لـ"أخيك"/"إخوانك" أن يكون خارج التصنيف البشري..ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أليس خير الخلق هو القائل:" كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". اعلم، علمك الله يا بنكيران، أن الفساد فساد، خاصة منه المرتبط بالشأن العام وبالمال العام، إذ يستوي فيه الفاسد المتورط في القليل مع الفاسد المتورط في الكثير. وإن ربط المسؤولية بالمحاسبة، في شرع الله والقوانين البشرية، لا فرق فيها بين شريف ووضيع.


يا بنكيران..الفساد فساد

الفيديو الذي تابعنا من خلاله عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة  السابق والأمين العام الأسبق لحزب العدالة والتنمية، يطرح جملة من الملاحظات التي تضع ما جاء على لسانه، يفتقد جميع شروط الاتزان وقواعد المسؤولية. 
 

لقد وضع بنكيران أعضاء حزبه، أو"الإخوان" كما سماهم، خارج البشر باعتبارهم لا يخطؤون: " الفساد ما تعرفش عند الاخوان، ويلا كان شي فساد مالي بالخصوص.. غادي تكون شي حاجة خفيفة".
 

العصبية الحزبية/ القبيلة دفعت بنكيران الى وضع "إخوانه" أو "قبيلته الحزبية" فوق مصاف البشر، عبر تصنيفهم بكون الفساد، خاصة المالي منه، غير ذي موضوع في أوساطهم، وهي شهادة يتحمل وحده وزرها  قائلها ومن شهد بها، وهو تصريح على كل حال يناقض  الحقيقة البشرية التي تجعل الإنسان- كل إنسان- معرض للخطأ والتقصير. وهذه سنة الله في بني آدم، مصداقا  لما ورد عن  أشرف الخلق  في حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).
 

أما تصريح بنكيران وبلهجة الواثق، الذي لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، بأنه إذا كان هناك من فساد مالي: "غادي يكون غير شي حاجة قليلة" ، فهو كلام  يشتم منه رائحة التبرير لما يتم اقترافه من  بعض" إخوانه ".  والحقيقة الحقة أن الفساد هو الفساد، ولايوجد فساد قليل وفساد كثير، كما  ارتضى التصنيف  الوارد على لسان رئيس الحكومة السابق.
 

يا بنكيران، المنطق السليم في تسيير الشأن العام،  يجعل من الفاسد فاسدا، دون تحديد درجات الفساد، وبالتالي  يجب مساءلته ومحاسبته، إن  من طرف الهيئة التي يمثلها، خاصة الحزبية منها -بما للامر من تاثير على السمعة والمصداقية أمام من وضع ثقته فيه من ناخبين ومعشر مناصريه- أو من طرف الهيئة القضائية المختصة،وهي هنا محكمة جرائم الأموال.
 

 ولنا مرة أخرى، يا بنكيران، في موقف نبينا الكريم أحسن قدوة ومثال. فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَد، وَأيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا".


بنكيران يصطف مع خاصة القبيلة

هذا فيما يخص الشكل العام في حديث رئيس الحكومة السابق والأمين العام الأسبق لحزب العدالة والتنمية، أما من حيث الجانب الخاص، فيلاحظ أن مساحة التفضيل في الموقف قد امتدت لتميز بين "الاخوان"/ القبيلة نفسهم، حيث أصر في تبرئته المسبقة لعمدة مراكش، إذ خصه بهذه الشهادة/ شهادة البراءة، دونا عن المتابعين معه من بقية"الاخوان"، و ظل يؤكد حصر شهادة البراءة في" هذاك العربي بلقايد ديال مراكش"، مع التأكيد بالقول" تانتكلم على السي العربي بلقايد اللي كانعرفو هادي أربعين عام".
 

واضح اذا، أن بنكيران يميز بشكل فاضح بين " إخوانه"/قبيلته، كل حسب درجة القرب  والعلاقة الخاصة. فالملف المعروض أمام قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال باستئنافية مراكش، الخاص باختلاس وتبديد المال العام، يطوق العربي بلقايد، عمدة مراكش ويونس بن سليمان نائبه الأول والبرلماني باسم حزب المصباح، والذي ظل يتمترس لسنوات طوال في موقع مريح داخل الأمانة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بجهة مراكش، وهو الشخصية الذي أسند اليه العربي بلقايد مقاليد ومفاتيح جميع المصالح والأقسام بالمجلس الجماعي لمراكش، ومنحه صلاحية التدخل في كل كبيرة وصغيرة تهم تسيير الجماعة الحضرية لمراكش، بما فيها الإشراف الفعلي على الصفقات التفاوضية لكوب22 التي كلفت أزيد من 28 مليار، وأقصى  "أخته" في الحزب المهندسة "أمل ميسرة" صاحبة الاختصاص، ما يجعل السؤال مشروعا عن تخصيص بلقايد وحده بشهادة البراءة من بنكيران، خصوصا في هذا الظرف الذي بات يونس بن سليمان خارج دفتي حزب المصباح، وشرع في نحت موقعه البديل في حضن حمامة التجمع الوطني للأحرار.
 

فإذا كان يونس بن سليمان بالنسبة للسيد بنكيران غير جدير بثقته، ولا يرقى الى مستوى العربي بلقايد في براءة الذمة ونظافة اليد  حتى يسدل عليه سربال " شهادة براءته"، فهنا يبرز سؤال مستفز عن الأسباب الحقيقية التي استند إليها كزعيم وقائد حزبي في منح بنسليمان تزكية تمثيل الحزب بالانتخابات التشريعية لولايتين، وكذا الإنتخابات الجماعية كوكيل لائحة، وزكاه كرئيس لمقاطعة المدينة.


محمد العربي بلقايد كما عرفناه

وهنا وجب فتح قوس، من أجل تنبيه القارئ إلى أن العربي بلقايد الذي خصه بنكيران بشهادة " البراءة" واصطفاه من بين جميع "الإخوان" و بوأه صفوف النزاهة والأمانة، سبق أن كان له موقف مناقض من يونس بنسليمان على عهد مرحلة التسيير السابقة، حين انحاز هذا الأخير لصف الأغلبية المسيرة، عندما كانت لحميد نرجس، خال فؤاد عالي الهمة  اليد الطولى في تدبير الشأن الجماعي، وعمد الى طرد بلقايد من " جنة" الاغلبية المسيرة، فلم يتردد يونس بنسليمان حينها في الاصطفاف الى جانب الأغلبية البامية، واعلن براءته من حزب المصباح وأهله، مصرحا على رؤوس الأشهاد: " ماعندي ما ندير بهاد الحزب ( أي حزب العدالة والتنمية)".
 

وبالرغم من أن كل القيادة الحزبية للعدالة والتنمية قد نزلت بثقلها حينها لمؤازرة العربي بلقايد ونظمت وقفة احتجاجية امام مقر المجلس الجماعي بمراكش، وبالرغم من الموقف المتخاذل ليونس بنسليمان بتموقعه إلى جانب الطرف الخصم، فإن العربي بلقايد لم يتردد في الإعلان من خلف ميكروفون إذاعة "راديو بلوس"، خلال مشاركته في برنامج حواري، على مسامع المراكشيين بشكل واضح، و دون أدنى مواربة أو لف ودوران،  لحظة محاصرته بسؤال أحد المشاركين  في هذا البرنامج، حول ما إذا كان الحزب مستعدا لقبول يونس بن سليمان بين صفوفه من جديد بالرغم من موقفه المنحاز للخصوم في لحظة كان إخوانه في أمس الحاجة لدعمه ومناصرته، كما يفترض في أي مناضل وقيادي حزبي يتبوأ موقعا ومكانة متميزة بقيادته الجهوية، لحظتها لم يتردد  بلقايد بالاجابة بالموافقة والاستعداد لإعادة الترحيب بيونس بنسليمان بين صفوف الحزب وداخل قيادته الجهوية.
 

هذه الحقيقة تأكدت بالفعل على بعد أيام من موعد الاستحقاقات الانتخابية، حين قام يونس بنسليمان،  كنائب للعمدة السابقة مفوض له المنازعات القانونية، بالتوقيع على محضر صلح  منح بمقتضاه طوق النجاة لصديقه وزميله عبد العزيز البنين، المنسق الجهوي السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار  ونائب العمدة السابق، والذي وجد نفسه محاصرا بتداعيات القضية التي طوقت مالية المجلس الجماعي بحكم قضائي بملايير السنتيمات لفائدة هذا الأخير. وما حبلت به القضية من معطيات ووقائع مستفزة تعبق بركام من علامات الاستفهام المحيرة، وتؤكد بأن وراء أكمة القضية ما وراءها.

 
يا بنكيران.. الفساد فساد..ِ لا فرق فيه بين خفيف وثقيل

يا بنكيران التمس قبسا من إثر الوطنيين العظام

اعلم يا بنكيران..أنه رغم نزولك من كرسي المسؤولية الحكومية و المسؤولية الحزبية، وتلك مسؤوليات يتداولها الناس، فإن المغاربة لازالو ينظرون إليك بصفتك رجل دولة، كما ينظر إليك "إخوانك" كزعيم سياسي، وهما مقامان يلزمانك بالتحفظ، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضية بيد القضاء، وليس من حقك أن تخرج إلى الناس وتعلن فيهم أن "أخاك" بلقياد بريئ، بل وتتعمد توجيه خطابك للقضاء، عندما قلت إن كلامك موجه للقاضي الذي سيقف أمامه محمد العربي بلقياد. فالمواطنون سواسية أمام القضاء لا فرق بين مسؤول حكومي، برلماني أو رئيس جماعة أو مواطن عادي، وأنت يا عبد الإله بنكيران، أول من عليه تقديم النموذج وتوقير القضاء الذي هو سلطة فوق كل السلط. 
 

بخروجك يا بنكيران في هذا التوقيت بالذات، والملف خرج من بين يدي قاضي التحقيق إلى الوكيل العام قبل إحالته على غرفة الجنايات، ومخاطبة القضاء بهكذا خطاب، كما فعلت سابقا في قضية حامي الدين:" لن نسلمكم أخانا"، تكون بذلك قد تجاوزت حدود اللياقة، اللباقة والتحفظ الواجب من طرف رجل دولة، وأتمنى أن تعود إلى الإرث الوطني للرجالات الكبار لعلك تجد فيه قبسا يهديك إلى رشدك، وفي مقدمتهم المشمولون برحمة الله الأساتذة الكبار عبد الله ابراهيم، عبد الرحمان اليوسفي ومحمد بوستة...إذ لم يسجل عليهم مثل هذه الخرجات والمواقف غير المسؤولة وغير المتزنة، لا خلال ممارساتهم السياسية والحكومية، ولا عند تقاعدهم الحزبي.

عزيز باطراح



تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات