أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مراكش

هكذا تم الإجهاز على المدينة الملكية للفنون الشعبية بمراكش


المراكشي - الاثنين 15 فبراير 2021


رغم ضخامة الأغلفة المالية المرصودة للمشروع الملكي "مراكش الحاضرة المتجددة"، ورغم وقوف الملك شخصيا على الاتفاقيات الخاصة بهذا المشروع، فإن الشق الثقافي، على الأقل، تم التعامل معه باستخفاف كبير من قبل بعض المسؤولين. ففي الوقت الذي تم "اقتلاع" المشروع الثقافي-الحضاري "ديوان الكتبية" من مكانه الطبيعي تحت ظلال مسجد الكتبية، ها هم المسؤولون يجهزون على "المدينة الملكية للفنون الشعبية والتراث اللامادي" من مكانها الطبيعي أكدال با أحماد، ويقذفون بها إلى الفيافي خارج أسوار المدينة العتيقة.


تحريف في المبنى والمعنى

 بعد أن أهدرت مدينة مراكش مع مجلسها الجماعي ست سنوات من فصول"العبث" والتسويف ( ! )، بخصوص إنجاز المشروع الملكي التاريخي " ديوان الكتبية " المصادق عليه منذ 6 يناير 2014 ، حيث تم تتويج مسلسل العبث هذا في بداية فبراير 2021 بقرار "غريب" من المجلس الجماعي، "انتزع " بموجبه، المشروع من مكانه الطبيعي تحت ظلال صومعة الكتبية، بمزاعم " قانونية " لا تستقيم مع وجود مئات المنشآت العمومية في مواقع مماثلة بمدن مراكش والرباط وفاس وغيرها. سيما وأن الأمر يتعلق بمعلمة  فريدة ومعبرة عن نظر ملكي ثاقب، يستحضر ذاكرة مدينة مراكش الموشومة بمجد ثقافي وحضاري وروحي كمدينة حاملة للتاريخ، من أجل تعزيز الإشعاع العالمي للمدينة ومكانتها  السياحية الدولية المرموقة.

لماذا مدينة الفنون الشعبية؟

في نفس السياق ، نسلط الضوء من جديد على فصول " مماثلة "من عمليات "التسويف " و "تحويل اتجاه" الغايات والمرامي، وصلت حد النيل من "روح" مشروع ملكي آخر من نفس الجيل والطراز، يعتبر من أبرز المشاريع المعبرة عن الانفاس العريقة  لبرنامج " الحاضرة المتجددة "، ونقصد "المدينة الملكية للفنون الشعبية والتراث اللامادي"، التي وضعت قواعدها على أنقاض نقد علمي رصين لتجربة المهرجانات السنوية منذ 1960، و للرؤية "الفولكلورية" التي تحكمت فيها (!)،  لصالح المقاربة التي تعيد الاعتبار لمقومات التثمين و التوثيق وحفظ الذاكرة وترقية الاعتبار الاجتماعي للفنانين ومجموعاتهم .
 

 لقد انطلق هذا المشروع  من الرغبة في الاستجابة لحاجيات الإيواء والتداريب، الوطيدة الصلة بالمهرجان السنوي للفنون الشعبية الذي يجمع في دوراته أزيد من 700 فنان و30 لون فني. وتوجت الدراسات الإعدادية له بإثارة الانتباه الى ان الامر يتصل بأحد مكونات الهوية الثقافية والحضارية، المطلوب أن تتطور مع مقتضيات العصر،  بدون ان تمس أصالة الفنون الشعبية بسوء أو أن تنسلخ من روحها، الامر الذي يستدعي الإستناد الى أهل الاختصاص من مثقفين  وخبراء، عبر إحداث " المؤسسة الوطنية للفنون الشعبية والتراث اللامادي" التي ستساهم في تدبير وتأطير "مدينة الفنون" هذه، بالإضافة إلى منشآت فنية أخرى بمدينة مراكش. 
 

  وبعناية كبيرة، وقع اختيار"الحضن" الأنسب داخل أسوار مدينة مراكش، الصرح التاريخي الجميل "حدائق أكدال با حماد "، من أجل  تشييد"مدينة الفنون الشعبية  ". والموقع المذكور قريب جدا من "مسارح" العرض التاريخية ( قصر البديع والباهية وساحة جامع الفناء وحومة الكتبيين ..) . مما يسمح بإقامة الفنانين، واجراء التداريب، و تأطير برامج  من شأنها حفظ مقومات الذاكرة والهوية وضمان الاستمرارية. سواء تعلق الامر بمهرجان "ساحة جامع الفناء" اليومي،  او "المهرجان الوطني للفنون الشعبية " الذي تحتضنه مدينة مراكش سنويا ويثري عرضها الثقافي / الفني وإشعاعه العالمي.
 

 ومعلوم أن هذه التظاهرة العريقة التي دأبت مراكش على تنظيمها منذ 1960، تعد من بين أقدم المهرجانات المغربية التي أخبر وزير الثقافة  عام 2019 في الدورة 50 ، أن الوزارة منكبة على إعداد ملف تصنيف المهرجان كتراث إنساني من قبل اليونسكو. ولقد كشفت تجربة 5 عقود عن وجود اختلالات تنظيمية وتوجيهية عديدة مثل إبعاد العديد من الفنون الشعبية الناطقة بالعربية ( مثال الملحون والسماع والأندلسي ….) واستفحال تراجع إشعاعه الوطني والدولي.


إطلاق سراح المشروع : من 2015 الى نونبر 2020

لقد تم إعلان الانطلاقة الرسمية للمشروع  بمناسبة الدورة الاستثنائية للمهرجان الوطني للفنون الشعبية (بين 26 و 28 شتنبر 2014 ). بعد تسعة أشهر من المصادقة الملكية على البرنامج "مراكش:الحاضرة المتجددة "، وبعد توقف دام خمس سنوات للتظاهرة العريقة للفنون الشعبية التي تقام بالمعلمة السعدية العريقة "قصر البديع ". 
 

وهكذا انعقد بمقر المجلس الجماعي لمراكش اجتماع هام في نهاية شهر شتنبر من 2014  ترأسه وزير الثقافة محمد أمين الصبيحي، وخصص لتقديم تفاصيل مشروع "مدينة الفنون الشعبية والتراث اللامادي "، على مساحة سبع هكتارات ب" حدائق أكدال باحماد "، وتحتضن إقامة خاصة بالفنانين وقاعات للعرض والتكوين والتوثيق، بميزانية تناهز 12 مليار سنتيم. 
 

وقد أخبر السيد الوزير وقتها أن الأشغال ستنطلق سنة 2015 ( لم تنطلق مع السيد العمدة إلا في نونبر 2020 ، وخارج أسوار المدينة، بعيدا عن الموقع الأصلي "أكدال باحماد" ! ) . كما استعرض الوزي، في نفس اللقاء، القانون الأساسي المتصل بإحداث "مؤسسة الفنون الشعبية المغربية والتراث اللامادي " التي تضم قطاعات حكومية في مقدمتها وزارتي الثقافة والسياحة الى جانب المجالس المنتخبة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. 
 

وتميز نفس الجمع المنعقد نهاية شتنبر 2014 بتقديم الأستاذة الجامعية " وداد التباع " كرئيسة للمؤسسة . وقد نبهت في كلمتها بالمناسبة لأهمية هذه الهيئة الجديدة ذات الطابع الاستثنائي " في إطار الدينامية الهادفة الى المحافظة وإنعاش ونقل التراث اللامادي "، على أن تكون "مدينة الفنون " مجالا مخصصا "لحاملي التراث اللامادي الوطني، وللأشخاص الذين يحملون ذاكرتنا والذين يعتبرون رمزا لثقافتنا ".
 

وقد أجمعت كل التصريحات الرسمية منذ نهاية شتنبر2014 ، ومن وزير الثقافة نفسه، على الهدف المزدوج  من وراء "المدينة الملكية" و"المؤسسة الوطنية": استقبال الفنانين، وضمان استدامة التراث اللامادي من خلال التكوين والتحسيس وحفظ الذاكرة. على أن يصبح المهرجان السنوي أرضية خصبة للتعبير واللقاء والتبادل بين مختلف الفنون الشعبية العريقة ( الإنشاد والموسيقى والرقص ومهن الفن والمنتجات الأصيلة و...) .، مما يسمح بترقية إشعاعه الوطني والدولي، في الوقت الذي تمكنت فيه مهرجانات أخرى حديثة العهد أن تضمن لنفسها صيتا أكبر على المستوى المتابعة والحضور والترويج الإعلامي. 
 

وقد تستفيد "مؤسسة الفنون" من كفاءات المجتمع المدني وجمعياته ورجالاته، من اتحادات و فيدراليات الملحون، كناوة، الدقة المراكشية، عبيدات الرمى، الهيت، احيدوس، الحساني وغيرها، وتلك القريبة من الحرف القديمة واللباس المغربي. كما يمكنها الاستفادة من خبرات جمعيات أخرى عملت  في مجال  تنظيم  المهرجان كجمعية مهرجانات مراكش والأطلس…
 

 وجدير بالذكر أن العديد من البلدان الصديقة سارت على نفس النهج، نذكر منها دولة الإمارات العربية التي وضعت نفس الآليات وعلى رأسها " لجنة وطنية استشارية " تعنى بالنواحي الفنية والعلمية والتنظيمية.


مقاومات كبيرة من أجل تبديل الاتجاه

وإلى اليوم، لا زلنا ننتظر ميلاد هذه المؤسسة المحورية في تدبير"الفنون الشعبية والتراث اللامادي"، الوطيدة الصِّلة بقضيتي "ساحة جامع الفناء" ومتحفها، "المدينة الملكية للفنون " ومهرجانها السنوي ( ! ). بعد ان تابعنا باندهاش كبير مخططات الإجهاز على مشروع "المدينة الملكية للفنون الشعبية، من خلال "إشهار"  سلاح مبررات  "المنع القانوني"  للبناء في "حدائق أكدال "( ؟؟ )، الأمر الذي تكذبه وقائع البناء الجاري الآن لـ " مسبح ومركب " وصف بالاجتماعي  في نفس المكان (؟). ومن خلال تغيير المكان والإلقاء بالمشروع  في الفيافي، بعيدا عن أسوار المدينة العتيقة، موقع الإقامة والصنعة والعمل الفني بالنسبة لأهل هذه الفنون، ومهد المواقع التاريخية التي تستقبل التظاهرات الثقافية والفنية المطلوب. علما ان مهندسي التمدن والعمران اليوم يتشبثون بالفضاء الطبيعي موقعا لصيانة التراث اللامادي، بل يدشنون بذلك طريقة أصيلة لتهيئة تخطيط المدينة.
 

 لم يتوقف مسلسل الانهيار "المديد" عند حدود إبعاد المشروع عن "الحضن الطبيعي"  للمدينة داخل الأسوار، بل سيمتد الى ماهو اخطر، " تغيير" الموضوع والغايات. وإلا ما الداعي الى تغيير العنوان ليصبح "مدينة الفنون والإبداع " ( ؟ )، أي بحذف "الفنون الشعبية والتراث اللامادي "، رغم كونها جوهر المشروع ومبرر قيامه الأصلي، وبهذه التسمية وهذه الصيغة تم تقديمه أمام الملك محمد السادس سنة 2014.
 

ومن الإشارات التي " تلهب " الشكوك والتخوفات، "التصميم الافتراضي" ( للبناية )  المنتشر في العالم الأزرق، والذي يزيل الستار عن النوايا، إذ يتعلق الأمر بمنشأة "عصرية" لا تنسجم بثاثا مع متطلبات وجماليات "مدينة الفنون الشعبية" التي ستحتضن أهل هذه الفنون الشعبية،  و بطابعهم المغربي الأصيل في أبهى   تجلياته؟، فما رأي العمدة ووزير الثقافة؟ ..وأين نحن من روح "الحاضرة المتجددة " التي رصدت لها برامج وميزانيات، ونظر ملكي ثاقب يعيد الاعتبار لدور الذاكرة الحضارية المحوري في نهضة المدينة باعتبارها مدينة عالمية حاملة للتاريخ والحضارة؟.

 

فريد المراكشي


تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات