المراكشي





أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
المدينة

مراكش: بعد الاستيلاء على رياض "زنيبر" السلطات تتستر على خروقاته


عزيز باطراح - الاربعاء 5 غشت 2020


بعد الاستيلاء على الرياض التاريخي المعروف بـ"دار زنيبر" بطرق ملتوية من طرف أحد كبار المنتخبين، رصدت لجان التعمير ومفتشية الآثار التابعة لوزارة الثقافة بمراكش مجموعة من الخروقات، و المتمثلة بالأساس في هدم أجزاء من بناية تاريخية وإعادة بنائها بالإسمنت المسلح و حفر قبو وإضافة بنايات فوق السطح خارج القانون، ومع ذلك تم تسجيل صمت رهيب للسلطات المحلية التي وقفت موقف المتفرج المتواطئ أو "العاجز"، بعد الإعتداء على هذا العقار الذي كان مقررا أن يحتضن فضاء ثقافيا وفنيا في إطار المشروع الملكي (مراكش: الحاضرة المتجددة).


تقرير إخباري

المدينة: الرياض التاريخي المعروف بـ "دار زنيبر"، الواقع بحي رياض الزيتون بالمدينة العتيقة لمراكش، والذي تم الإستيلاء عليه من طرف أحد كبار المنتخبين بطرق ملتوية، تعرض للتخريب عبر هدم أجزاء من هذه البناية التاريخية وإعادة بنائها بالإسمنت المسلح، إضافة إلى الاستيلاء على مساحة أخرى غير واردة في الوثائق التي أدلى بها صاحب المشروع أمام اللجان المختلفة.
 

صاحب المشروع "ح.م.ب"، والذي ليس سوى أجيرا لدى أحد كبار المنتخبين بمراكش، بعدما غادر عمله كمستخدم بأحد البنوك، استفادت شركته "النهضة" سنة 2016 في إطار لجنة الاستثنائيات، على عهد الوالي السابق المعزول "عبد الفتاح لبجيوي"، من الموافقة على إقامة مطعم تحت غطاء "متحف فنون الطبخ المغربي".


مساحات متفاوتة لصك عقاري واحد

​الوثائق التي حصلت عليها صحيفة "المراكشي" تؤكد أن الرياض التاريخي المعروف بـ"دار زنيبر"، والمعروف، أيضا، بـ"الباهية الصغيرة" والمسمى في الوثائق الرسمية بملك "الحاج حمادي المسيوي"، وهو رجل سلطة برتبة قائد، كان مقربا من كبار الحاكمين و يعمل إلى جوار الصدر الأعظم "أبا حماد"، هو العقار ذي الصك العقاري 10944-M،  ينهض على مساحة قدرها 3280 مترا مربعا. غير أن الوثائق والمستندات والطلب الذي تقدم به صاحب المشروع أمام لجنة الاستثناءات، تكشف أن عقد الكراء المبرم بين إدارة أملاك الدولة وصاحب المشروع، في شأن الصك العقاري 10944-M ،  ينهض على مساحة قدرها 1270 مترا مربعا.
 

وبالعودة إلى عقد الكراء، أيضا، يتضح أن مدته حددت في 8 سنوات قابلة للتجديد، مقابل سومة كرائية سنوية في حدود 76.200 درهم، أي حوالي 6350 درهم للشهر.
 

و بالوقوف على محضر لجنة الاستثناءات التي منحت موافقتها المبدئية للمشروع  خلال شهر غشت من سنة 2016، يتضح أن الصك العقاري المذكور، مساحته لا تتعدى 1030 مترا مربعا.
 

وهنا، تطرح مجموعة من الأسئلة المحيرة من قبيل: هل بإمكان صك عقاري واحد أن تكون  مساحته  3280 مترا مربعا، بحسب شهادة المحافظة العقارية، وفي الآن نفسه 1270 مترا مربعا بحسب عقد الكراء، و 1030 مترا مربعا بحسب محضر لجنة الاستثناءات؟، طبعا لا، لكن الذي حصل هو أن وثائق الملف المختلفة، بما فيها عقد الكراء المقدم من طرف صاحب المشروع أمام لجنة الاستثناءات وأمام باقي المصالح المختصة، كلها تشير إلى أن الصك العقاري المذكور مساحته هي 1270  و1030 مترا مربعا، في تناقض صارخ مع المساحة الحقيقية الواردة في هذا الصك العقاري بحسب الشهادة المسحوبة من المحافظة العقارية والمحددة في 3280 مترا مربعا.
 

ألسنا، والحالة هذه، أمام وضعية تجزيء صك عقاري داخل سور المدينة العتيقة لمراكش الممنوع قانونا؟، ألسنا أمام وضعية انتزاع مساحة قدرها 1270 أو 1030 مترا مربعا، من الصك العقاري الأصلي ذي المساحة الإجمالية 3280 الواردة في شهادة المحافظة؟، من سمح بمثل هذا الجزئي والذي يمنعه القانون داخل أسوار المدينة العتيقة؟.
 

كيف سمح المدير الإقليمي لإدارة أملاك الدولة بهذا التجزئي لعقار هو المؤتمن الأول عليه؟، كيف لم "ينتبه" مسؤولو الوكالة الحضرية لهذا التناقض الصارخ في وثائق الملف، وكيف "سمحوا" بهذا التجزيئ الذي طال عقارا في ملكية الدولة؟، خاصة وأن الوكالة الحضرية تتوصل بالملفات القانونية لجميع العقارات المعنية بالنباء.


هل 200 درهم هي كل قيمة "دار زنيبر"؟

بالعودة إلى عقد الكراء المبرم بين مالك العقار(أملاك الدولة) وصاحب المشروع (شركة النهضة)، يلاحظ أنه تم تحديد سومته في 76.200 درهم سنويا، أي 6.300 درهم شهريا، أي قرابة 212 درهما في اليوم. وبمقارنة بسيطة بما يجري ببعض المواقع داخل أسوار المدينة العتيقة، فإن سومة كراء متر مربع واحد في الملك العام أمام محل تجاري بممر الأمير مولاي رشيد مثلا قرب ساحة جامع الفنا، وبدون عقدة كراء، تصل إلى 500 درهم يوميا، يدفعها "الفراشة" لأصحاب هذه المحلات التجارية وهم "صاغرون". فهل 200 درهم لليوم هو كل قيمة هذا العقار التاريخي "دار زنيبر"؟، أي ما قيمته 4 تذاكر للراغبين في دخول هذا الفضاء، دون احتساب ثمن المأكولات والمشروبات في "مطعم" من زمن ألف ليلة وليلة.
 

الوثائق التي حصلت عليها صحيفة "المراكشي"، تفيد ان الأملاك المخزية سبق وأن وضعت هذا العقار رهن إشارة مصالح وزارة الثقافة بمراكش، من أجل إقامة مدرسة لفنون الصناعة التقليدية بموجب تخصيص موثق سنة 1974، فما السر وراء تغييب هذه الوثيقة وتغييب وزارة الثقافة عن لجنة الاستثناءات التي صادقت على المشروع؟.


وإذا كانت  فكرة المشروع تنهض بالأساس على إنشاء "متحف لفنون الطبخ المغربي"، أليست أول المعنيين وآخرهم هي مديرية الثقافة؟، ليس فقط لأن العقار تم وضعه رهن  إشارتها منذ 1974، وهو من الناحية القانونية لازال تحت يدها حتى الآن، ولكن لأنها هي صاحبة القول الفصل في المباني التاريخية وكذا في شأن المتاحف؟، وأخيرا، أين هي المؤسسة الوطنية للمتاحف في كل هذا؟.
 

المعلومات التي حصلت عليها صحيفة "المراكشي" تفيد أن صاحب المشروع الحقيقي، وهو هنا كبير منتخبي مراكش، ظل لأزيد من سنة يضغط بكل الوسائل من أجل تطويع أطر وموظفي مديرية الثقافة بمراكش، بهدف استمالتهم والتغاضي عن "تجاوزاته"، وهو المسعى الذي فشل فيه. وهو ما تزامن، بشكل غريب، مع  إعفاء مدير مديرية الثقافة  وإلحاقه بالوزارة دون مهمة، ونفي/ تنقيل محافظ الآثار إلى مدينة وجدة، فهل كان كل هذا مجرد صدفة؟.


ملف"دار زنيبر" تحت مجهر الفرقة الوطنية

لقد شكل هذا العقار "الممنوح" لأحد كبار المنتخبين فضيحة مدوية غير مسبوقة بمدينة مراكش، إلى جانب عشرات الهكتارات من أراضي الدولة، التي كانت ستقام عليها مشاريع ملكية، وضمنها "دار زنيبر" التي كان مقررا أن يتم إصلاحها وتحويلها إلى فضاء ثقافي فني في إطار المشروع الملكي (الحاضرة المتجددة)، قبل أن يتم الاستيلاء عليها من طرف مجموعة من المنتخبين والمضاربين، في تحد سافر للإرادة الملكية التي وضعت برنامجا ضخما يضم حزمة من المشاريع المهيكلة لمراكش، وهو ما جعل عبد الإله طاطوش، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب يتقدم بشكاية  أمام الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بمراكش، والذي أحالها بدوره على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، والتي باشرت أبحاثها القضائية عبر جمع كل الوثائق والمستندات المتعلقة بهذه الملفات، حيث طافت على مصالح ولاية الجهة، الوكالة الحضرية، مديرية الثقافة والمجلس الجماعي، قبل أن تستمع إلى بعض مهندسي المجلس وموظفين بوزارة الثقافة، إلا أن إكراهات الحجر الصحي جعلت هذه الفرقة تؤجل مواصلة أبحاثها.
 

بعد الاستيلاء على "دار زنيبر" بطرق لا تخلو من تحايل  وعبر استغلال النفوذ، و إقبار جزء من المشروع الملكي وحرمان ساكنة المدينة العتيقة من هذا الفضاء، واصل صاحب المشروع عبثه بهذه المعلمة التاريخية عبر هدم أجزاء منها وإعادة بنائها بالإسمنت المسلح امام أنظار السلطات، والتي "عجزت" على إرغام صاحب المشروع على وضع اليافطة الخاصة بإشهار رخصة البناء، اسم صاحب المشروع، واسم المهندس المكلف ونوعية المشروع، حيث واصل عملية البناء ليل نهار على مزاجه ودونما احترام للتصاميم، واختلط على أهل مراكش عمال الأوراش الملكية الخاصة بالحاضرة المتجددة بعمال ورش "دار زنيبر" لصاحبه كبير المنتخبين، وهو الأمر الذي علق عليه أحد المهتمين بتفكه:" أليس الأمر في نهايته يهم مشروع مراكش الحاضرة المتجددة؟".


خروقات مفضوحة بـ "دار زنيبر" و لكن...

الخروقات التي رصدتها لجان المراقبة ومفتشية الآثار، حسب الوثائق المتوفرة لصحيفة "المراكشي"، تفيد أن البناية الأثرية تم هدم أجزاء منها وإعادة بنائها بالأسمنت المسلح، كما أن صاحب المشروع حفر قبوا دون ترخيص، خصصه للمطبخ، علما أن القانون يمنع الطابق تحت أرضي في هذا الجزء من المدينة العتيقة، بالإضافة إلى بناء مرافق في السطح خارج القانون من أجل إقامة مطعم في الهواء الطلق خارج القانون أيضا.
 

هذه الخروقات التي تم رصدها في البداية من طرف مفتشية الآثار التابعة لمديرية الثقافة، راسلت في شأنها وزير الثقافة السابق محمد الأعرج إلا أنه لم يحرك ساكنا، كما أن ذات المفتشية راسلت والي الجهة بهذا الخصوص، قبل أن يوفد الأخير، بتاريخ 13 فبراير 2020،  لجنة مختلطة مكونة من قسمي التعمير بولاية الجهة والمجلس الجماعي، الوكالة الحضرية، الأملاك المخزنية، ومديرية الثقافة، وهي اللجنة التي عاينت البناية وحررت محضرا بالمخالفات التي عاينتها، رغم ما تعرضت له من ضغوطات من طرف كبير المنتخبين، والذي حاول إحراجها عبر حضوره شخصيا، رغم انعدام الصفة القانونية لديه، لحظة وصول اللجنة إلى عين المكان، بهدف التأثير على قراراتها. لكن لحد كتابة هذه السطور لم تعمل السلطات المحلية على هدم البنايات غير المرخصة لأسباب لا يعرفها إلا أهل الحل والعقد. فكيف ستكون ردة فعلهم عندما تقف الجهات العليا الموكول لها تتبع المشروع الملكي (مراكش: الحاضرة المتجددة)، وطريق عرصة بوعشرين لم يتم تهيئته وإعداده بالشكل الذي تم تقديمه والتوقيع عليه أمام الملك محمد السادس شهر يناير 2014؟.

 

أي جواب سيقدمه المسؤولون عن تأخر المشاريع الملكية؟

كيف سيرد المسؤولون المحليون على أسئلة كبار المسؤولين المركزيين، وقد عجز الجميع عن بناء مستوصف ومقر لبريد المغرب بالجهة اليمنى لطريق عرصة بوعشرين، وهدم مقريهما المتواجدين بالجهة اليسرى لهذا الشارع، كما تم التخطيط له في إطار المشروع الملكي؟.
 

 من سمح ببناء ملحقة إدارية تابعة للمجلس الجماعي فوق عقار كان مقررا أن يحتضن مستوصفا و مركزا لبريد المغرب؟، من يمنح التراخيص ومن يراقب ما يتم بنائه بمدينة السبعة رجال؟، أين هي محطة وقوف السيارات التي كان مقررا أن يتم إنجازها بطريق عرصة بوعشرين تتسع لحوالي 100 سيارة؟، من يتابع ومن يراقب أوراش المشروع الملكي (مراكش: الحاضرة المتجددة)؟ اسئلة من المفروض أن يجد لها مسؤولو مراكش أجوبة عنها أمام المسؤولين المركزيين المكلفين بتتبع المشاريع الملكية بهذه المدينة، والتي استولى عليها كبار المنتخبين والمضاربين، وأسئلة نظيرها وغيرها سيجد لها، دون شك، ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أجوية عنها، و ستبسطها أمام القضاء.

 


تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

المدينة | جليز | المنارة | سيبع | النخيل | القصبة | الساحة | الضاحية