المراكشي





أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
المدينة

كائنات الساحة.. منسيون في زمن كورونا


مريم الأزدي - الاربعاء 12 غشت 2020



قصة قصيرة

إسمي "كوبرا"، لكنهم في ساحة جامع الفنا العجائبية هذه، في فناء اليونسكو هذا، ينادونني "اللّفْعة"، وينادون والدي الحنش(!). ولدتُ في منحدرات وادي تساوت، وزحفت على أحراشه وأنا ألقي بكراماتي لحَفَدة سيدي رحال البودالي فلا أعاديهم ولا اقاضيهم ولا اؤذيهم..لكنني سقطت يوما في فخ أحد الصيادين ذوي الضفائر الطويلة، الذين يكسبون رزقهم من العزف على الغيطة.. فحولني راقصةً يَتمَلّى العابرون والمتحلقون  جسدها، يتلمسونه، ويضعوننه عِقْدا حول أعناقهم المتعرقة، المختلفة الأحجام والألوان كي يلتقطوا معها الصور..


رقصة الموت الأخيرة

كم مرة وددت لو ألدغهم، لكنني كنت أتراجع صامتة أكتم حنقي داخلي، بينما صاحبي يُطْبق على أنيابي بقبضته القاسية..طوال اليوم أشتغل تحت زمهرير الساحة، لا حق لي في البكاء أو الإحتجاج أو اللدغ..في الاحتماء من شمس المدينة الحارقة وعيون الفضوليين..
 

في زمن الجائحة، خَلَت الساحة من عيون العابرين.. وصمَتَ صوت الغيطة. فَرِحتُ لأنني سوف أرتاح ولو لبعض الوقت..لكن توالت الأسابيع والأشهر وأنا قابعة داخل الصندوق الرمادي المتسخ.. لَعَلهم نَسوْني.. لعل صاحبي ذا "السوالف" الطويلة مات بالسعال والحمى ..لعل المتفرجين كَفّوا عن عاداتهم..لعل يد اليونسكو ارتفعت عن الساحة..أسئلتي ترتد صدى بين جنبات الصندوق الذي حُشرْتُ بداخله، وتحول زنزانة أبدية، لا كوة ضوء فيها ولا عيون لترقب رقصة موتي الأخيرة، وفي رأسي يعبر ضباب ذكرى عن تلال تساوت البعيدة.

كائنات الساحة.. منسيون في زمن كورونا

سعدان.. "إناس إناس مايريخ".

وأنا إسمي "سَعدان"، وفي الساحة العالمية ينادونني القرد.. ولدت في غابات جبال الأطلس المتوسط العامرة بأشجار الأًرْز السليطة الجمال، حيث يتردد رجع صدى أغنية بهية تُكنّى "إيناس..إيناس ".. كنت أهيم عشقا بغابتي، بينابيعها وجداولها  و بأشجارها الزاهية الدائمة العطاء..أشجار باسقة كثيفة الأغصان، شامخة دائمة الخضرة..وكنت فخورا بها لأن صورتها تتوسط علم بلاد دائمة الجروح والدموع، لكن أهلها يخرجون للتظاهر ضد النظام وهم في أوج فتنتهم و زينتهم. 
 

كزميلتي كوبرا، وقعت في فخ صياد متمرس، في لحظة سهو مني وصفاء ذهن.. اختطفني و انتزعني من مملكتي و أخذني بعيدا عن غابتي واغنياتي الجميلة، وطوق عنقي بسلسلة حديدية تكاد تخنق أنفاسي.. 
 

كل يوم يجرني إلى فناء المدينة ويأمرني بأن أنط واقفز..أن أبتسم حتى ولو كنت حزينا،  أن أمثل دور "السراح" لحظة نونه ودور "الخماس" و"الكسول"، وأن  "أتشعبط"/ أتسلق رقبة سائحة شقراء كي تلتقط صديقتُها صورة لي وتعلقها على جدار وكالة للأسفار، وأن يتلقف هو الأوراق النقدية بالعملة الصعبة..

كائنات الساحة.. منسيون في زمن كورونا

سفر عبر بطاقة بريدية

لا أخفيكم أنني كنت أحب الإلتصاق بأعناق الشقراوات اللواتي يدوخني عطرهن  الطالع من بياض أجسادهن، كما أنني أحب أن أذهب في جولة عبر العالم ولو على جناح بطاقة بريدية..
 

في زمن الجائحة، ما عدت أرى صاحبي..ربما لذغته زميلتي، بعدما فاض كأسُ سُمِّها.. ربما نقلته سيارة إسعاف إلى حيث اللا عودة..وربما وبخته شقراء فرنسية إسمها بريجيت، لا تحب أن تراني إلا متسلقا أشجاري هناك بعيد بالأطلس المتوسط الشامخ.. ما عاد يخرج بي ليجرني إلى الساحة.. لك وحشة أيتها الأعناق ويا عطور باريس.. 
 

انطفأت كاميرات التصوير وما عدت أرى غير صناديق زملائي الخضراء المكدسة بجانبي عبر فتحة صندوقي حيث أنط طوال اليوم وقد فاح الفضاء حولي بـ"عطر" إفرازاتي..أصبحت حبات الفول السوداني والذرة ترفا، وضجيج الأطفال حلما لا يتحقق..نسيت الإبتسامة التي تعلمتها، ونسيت صورتي على ظهر بطاقة البريد التي لم تعد تسافر نحو العالم..داخل رأسي يدندن وَتَرٌ لَحْنَه الحزين" إيناس إيناس/ ما يْريخْ أَدا سِيخْ إِزْمانْ..أدا سِيخْ إِزْمانْ" ..
 

فيا أيها العالم ،ها نحن نطرق باب الخزان، فهل من سامع؟



تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

المدينة | جليز | المنارة | سيبع | النخيل | القصبة | الساحة | الضاحية