المراكشي




أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مراكش

فندق "المنارة".. عرقلة استثمار أم إصرار على تطبيق القانون


عزيز باطراح - الخميس 1 يوليوز 2021


أسدل الستار أخيرا على قضية هدم فندق المنارة، وانتهى مسار الملف إلى موافقة جميع الأطراف على هدم هذه البناية وفسح المجال لمالك العقار بإقامة مشروعه السياحي على أنقاض منشأة سياحية تعود إلى عهد الحماية، لكن تداعيات الملف لازالت حديث المهنيين وكل المتدخلين من أجل فهم ما جرى، وهل المسألة تتعلق بإرادة وإمعان في عرقلة الاستثمار أو هي إصرار من بعض الجهات من أجل تطبيق القانون.


هذه حقيقة هدم فندق المنارة

منذ بضعة أسابيع مضت، لا حديث للمنعشين السياحيين ومسؤولي مختلف الإدارات المعنية والوصية على شأن التعمير بالمدينة الحمراء، إلا عن "الخربة التراثية" فندق المنارة، وكيف أن المالك الجديد لهذا العقار الذي يعود إنشاءه إلى سنة 1950، تمت عرقلة استثماراته المقدرة بحوالي 40 مليار سنتيم (كما تم تداوله)، وذلك عبر رفض بعض الجهات، وضمنها قسم التعمير بولاية الجهة، هدم هذه البناية الآيلة للسقوط، وإقامة مشروع جديد.
 

فما خلفيات هذه القضية؟، وهل ثمة جهات إدارية تعرقل الاستثمار في زمن الأزمة، بعد هذه الجائحة التي لا يمكن لرأس المال إلا أن يتردد ويتخوف من المستقبل؟. هل هناك، فعلا، نوايا مبيتة لعرقلة مثل هذه المشاريع أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حرص وإصرار بعض الجهات من أجل تطبيق القانون؟.
 

عشرات الأسئلة تناسلت حول مدى احترام القوانين في الجواب الذي ستقدمه مدينة مراكش، سلطات وقطاع خاص، بخصوص إحدى أهم" الواجهات" المطلة على شارع " محمد الخامس"   ( كامتداد ل "جامع الفناء"  والكتبية )، والتي تستقبل زوار المدينة التي حظيت خلال العهد الجديد بعناية ملكية استثنائية، ماديا و توجيهيا، عبر رصد إمكانيات مالية هائلة في خدمة مقاربة ملكية  أصيلة تعيد الاعتبار للتاريخ وللحضارة في رسم معالم الطريق إلى الغد.
 

 ولان تراث البلاد محاط بسياج قانوني للحماية والتثمين، فلمن ترجع المسؤولية القانونية في الجواب على طلبات هدم " المباني الكولونيالية " بمدينة مراكش (الموضوعة في المنصة الرقمية رخص )؟، وهل تحترم المساطر القانونية؟، وما الدليل على وجود "فندق المنارة " في لوائح جرد المباني "الكولونيالية "؟.


ما موقع الجهات المسؤولة عن التعمير؟

فندق "المنارة".. عرقلة استثمار أم إصرار على تطبيق القانون

يتوفر المغرب على ترسانة قانونية في شأن المحافظة على التراث وتثمينه، و في مقدمتها المتن الدستوري، وأساسها القانون المرجعي  80-22 المتعلق بتثمين التراث ( الصادر سنة 1980 ) ( 1 ) وقانون 21-94  المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط ( الصادر سنة 2016 )، وايضا الملحقات والدوريات التطبيقية الصادرة في الموضوع، و آخرها الدورية المشتركة بين وزارات  الداخلية والتعمير والثقافة. ويشمل مجال التطبيق المباني الكولونيالية  " آرت ديكو " المشيدة في القرن الماضي، المصنفة والتي توجد قيد التسجيل والتقييد والترتيب.
 

وإذ توصي المقتضيات القانونية أعضاء اللجان المشتركة، التي تكون تحت إشراف ولاة الجهات، اعتماد مقاربة تشاركية في "دراسة ملفات الحصول على رخص الهدم وغيرها"، مع الأخذ بعين الاعتبار القيمة التاريخية والتراثية للمباني. 
 

و تؤكد ذات المقتضيات، في نفس الوقت، على أهمية احترام رأي المحافظة الجهوية للتراث التي تعتبر من أجهزة وزارة الثقافة ( 2 )، سواء تعلق الأمر بمسطرة التقييد أو بعمليات الترميم والهدم ، أخذا بعين الاعتبار مستجدات سبل الإشعار، أي " إبداء الرأي بطريقة رقمية عبر المنصة الرقمية الموحدة للتدبير اللامادي للرخص ".
 

 وانسجاما مع المقتضيات القانونية السالفة ، زارت لجنة مختلطة الموقع المذكور ( يوم 17/6/2021 ) قصد المعاينة، بحضور ممثلي المصالح الجهوية لوزارة الثقافة ( بعد زيارات سابقة من طرف المصالح المختصة )، حيث عاينت مصالح المجلس الجماعي والوكالة الحضرية والمفتشية الجهوية للتعمير كون البناية المذكورة في حالة متهالكة،  وبها تصدعات وشقوق وأثار مرتبطة بتسربات المياه، وهي مهددة بالانهيار حسب تقرير خبرة مكتب دراسات  بعث إلى الوكالة الحضرية يوم 11/6/2021.
 

وحسب إفادات في موضوع الاجتماع المشترك،  اشار احد المهندسين إلى  أن البناية موضوع المعاينة لا تحتوي على عناصر معمارية قيمة من " الآرت ديكو"، في حين اقترحت اللجنة من جديد الاستعانة باستشارة خبراء هيئة المهندسين المعماريين بالجهة.
 

فإذا كان " رأي "  المحافظة على الواجهات ومكوناتها  المعمارية، الذي نسب إلى المكلف بمفتشية المباني والمواقع التاريخية، قد يحتاج إلى التأكيد و توضيح الحيثيات من طرف المفتشية الجهوية للمباني التاريخية، فلابد من التنويه بالقرار الصادر عن المجلس الجهوي لهيئة المهندسين المعماريين يوم 18/6/2021، جوابا على الطلب الذي توصلوا به من الوكالة الحضرية يوم 8/6/2021 في موضوع تقويم بناية فندق المنارة المصنفة ضمن تراث "آرت ديكو".
 

 المعاينة المباشرة ليوم 14/6/2021،  سجل من خلالها خبراء " المجلس الجهوي لهيئة المهندسين المعماريين" ، وبكامل المسؤولية، ملاحظات دقيقة تتعلق باختلالات في توجيه البناية، وآثاره على البيئة الحرارية ووجهات مشاهدة "الأطلس الكبير " ( وقتها كان اختيار الجنوب هو الأنسب )، اختلالات كبيرة في اختيار مواد  البناء الأولية ( الأسمنت بدل حجر جليز)، مع ضعف الإتقان والجودة في "الصنعة " المغربية المستعملة، الزخرفية والتزيينية وغيرهما.
 

وقد استخلصت الخبرة في النتيجة، انعدام القيمة المعمارية التاريخية والفنية المرجوة  لما تمت معاينته ، الأمر الذي يلغي الفائدة من الحماية والتثمين، عدا الموئل النباتي الغني و القابل للتحويل، مع ضرورة الاهتمام بالتدبير المحكم للفراغات بهدف حماية المجال البصري في اتجاه أسوار المدينة وسهل  "أوريكة " والأطلس الكبير.
 

 وبناء على كل ما سبق، باشرت اللجنة المختلطة - بالحضور الوازن  لقسم المحافظة على التراث ( بوزارة الثقافة ) - مهماتها كاملة وبكل مسؤولية ونزاهة فكرية، وفي انسجام تام مع القانون الذي لا يمنح احتكار قرار"ترخيص الهدم " لقسم التعمير في الولاية. وهو ما يفند كل الادعاءات والمزاعم، بل و"المدافع" التي تم توجيهها إلى إحدى الإدارات بعينها.
 

 وبعد كل هذا صدر  القرار الإيجابي في "طلب الهدم " بعد أن استكملت اللجنة  تحرياتها واستشاراتها كما أوضحنا سابقا. حتى يتمكن صاحب المشروع من العمل في احترام كامل للقانون ، وللجدولة الزمنية التي حددها من أجل وضع المشروع على سكة التنفيذ. علما أن الطلب الأول للهدم وضع منذ 25/5/2021 ، وتم رفضه في انتظار الدراسة المعمقة مع المصالح المعنية كما ينص على ذلك القانون. وما بين تاريخ وضع الطلب والجواب النهائي عليه من قبل جميع الجهات المختصة، فإن المدة الزمنية أكثر من معقولة. لأن الأمر لا يتعلق بهدم منزل معزول، وإنما ببناية تقع في مكان استراتيجي وسبق وأن تم وضعها ضمن قائمة جرد المباني الكولونيالية.


المباني التاريخية ودور المجتمع المدني

عند الحديث عن تصنيف وترميم وهدم المباني التاريخية، يطرح السؤال التالي: هل من أدوار للمجتمع المدني؟، وفي محاولة الجواب على حقيقة وجود تصنيف " فندق المنارة " ضمن "لائحة جرد المباني الكولونيالية بمدينة مراكش " ( الآرت ديكو) ، والتي أثار موضوع إنكارها أو التشكيك فيها، "زوبعة" مفتعلة لا فائدة منها. علما ان جمعيات المجتمع المدني المختصة في المدن المغربية الاخرى  تتسابق في المساهمة في ورش تقييد المباني التراثية ( ومنها المباني الكولونيالية ) في لوائح الجرد حتى تحظى بالحماية المرجوة.
 

وللجواب ، نحيل القارئ على كتاب الخبير الإسباني "أنطونيو بيخول نويبو " الذي أصدرته  " مديرية التراث والثقافة " سنة 2018 (وزارة الثقافة ). حيث نجد في سجل المعمار الكولونيالي " الآرت ديكو" ( بين 1920 و 1960 ) بمراكش فندق "المنارة" باعتباره " مبنى قديم "،  يرجع تشييده  إلى سنة  1950. أما الجدادة  فتحمل رقم 219-2006  وبتاريخ 21/3/2006 ( والمساحة 4075 م2 ).
 

 وبالمناسبة ، وكمثال عن مساهمة المجتمع المدني والخبراء الصادقين في هذا الورش الوطني الهام، نذكر أن "جمعية ذاكرة الدار البيضاء " ساهمت بفعالية في تصنيف 122 " بناية تراثية "، وهي الآن بصدد تقييد 62 أخرى . نجد من بينها بنايات "الآرت ديكو " ( الكولونيالية ) ..ونتمنى ان يتم تعميم وتوسيع هذه التجربة التي تضع المجتمع في قلب معركة الحماية القانونية لذاكرته الثقافية.
 

بعد الإشارات التوضيحية السابقة، نود التنبيه إلى أن الإدارة المغربية اليوم، تسعى جاهدة إلى الابتعاد عن " التحجر القانوني "، وتعتمد أكثر على المقاربة التشاركية المبدعة حتى يخدم القانون تثمين الذاكرة الوطنية ورفع الوثيرة التنموية. وإذا كانت بعض الأطر موضوع شكوك أو محط استفهام في تعاطيها مع بعض ملفات الاستثمار، فإن القضاء وحده الكفيل بردعها، علما أن المشكوك في طويتهم في هذا الباب، والتي يعلم بأمرهم القاصي قبل الداني، فإنهم ظلوا لسنوات بعيدين عن كل نقد وعن فوهات المدافع، التي تطال اليوم بعض الأطر النزيهة والصادقة في هذه الإدارات. وأخيرا، نستطيع أن نقول بكل صدق وتجرد، إن محاولات التشهير ببعض أطر هذه الإدارات، والتي لا تسعى إلا لتطبيق القانون، فيصدق عليها قول الشاعر:
 

إذا أتتك مذمتي من ناقص

 فهي الشهادة لي بأنني كامل

هامش:
 

   1 -  هذا القانون المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات، الذي تمت المصادقة عليه في 1981 وتم تغييره وتتميمه في 2006 بواسطة القانون 19.05.
 

2 - بسبب مرسوم 10/11/2006 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الثقافة، والذي ينيط بمديرية التراث الثقافي السهر على حماية التراث المعماري الإثنوغرافي والأثري و المتحفي والترميم والتعهد.

 

فندق "المنارة".. عرقلة استثمار أم إصرار على تطبيق القانون


تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات