تقدم مدينة مراكش، باعتبارها وجهة مفضلة على مدار السنة، خلال شهر رمضان الأبرك، تجربة سياحية مختلفة، تتسم بأجواء هادئة نهارا ونابضة بالحياة ليلا. وخلال النهار، تعتمد المدينة الحمراء إيقاعا أكثر هدوءا. وتدخل أزقة المدينة العتيقة في سكينة غير معهودة، ما يتيح للزوار اكتشاف الأسواق التقليدية والمعالم التاريخية والحدائق في ظروف مميزة. وبعيدا عن الحركية المعتادة، يستمتع السياح بانغماس أكثر حميمية، يفسح المجال للتواصل مع الصناع التقليديين والمرشدين المحليين.
ومع اقتراب موعد غروب الشمس، تتغير الأجواء تدريجيا، إذ تبث الاستعدادات لوجبة الإفطار طاقة خاصة في الأحياء. وبعد الإفطار تتحول المدينة، فتستعيد ساحة جامع الفنا حركيتها، وتمتلئ الساحات، وتقبل الأسر على الفضاء العام في أجواء دافئة وودية.
وتتميز أمسيات رمضان أيضا بأداء صلاة التراويح، لاسيما بمحيط مسجد الكتبية، حيث يتجمع المصلون في خشوع لافت. وتصطف صفوف متراصة بإحكام في ساحة المسجد، فيما يعلو صوت التلاوة القرآنية في سكون الليل المراكشي، ليغمر المكان بأجواء مهيبة ومطمئنة.
ويحرص العديد من السياح على التوقف طويلا لمتابعة هذا المشهد. فبعضهم يظل ساكنا، وقد بدا عليه الانبهار بانسجام الحركات وتناسق المصلين وهم ينحنون في آن واحد. فيما يوثق آخرون اللحظة في هدوء، قبل أن يخفضوا هواتفهم احتراما للمقام.
ويصف كثيرون ذلك بأنه لحظة “خارج الزمن”، معربين عن إعجابهم بالحماس الجماعي وبمظاهر الروحانية التي تعاش في قلب المدينة، مما يضفي على إقامتهم بعدا عاطفيا غير متوقع.
وبالنسبة للمهنيين في القطاع، يستقطب شهر رمضان فئة من الزبناء الباحثين عن الأصالة، والراغبين في عيش تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز المسارات السياحية التقليدية.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أبرز كيفن، وهو سائح بريطاني، تفرد الأجواء الرمضانية بالمدينة الحمراء، قائلا “ما أثار انتباهي هو التباين بين هدوء النهار وطاقة المساء. خلال النهار، يمكن استكشاف مراكش بكل أريحية، والاستمتاع بالتفاصيل، والتفاعل مع السكان. الأجواء هادئة، تكاد تكون تأملية”. وأضاف “في المساء، يتغير إيقاع المدينة بالكامل. هناك دفء إنساني قوي، وتضامن ظاهر بين الناس. نشعر بأنه وقت مهم بالنسبة للجماعة. هذه الأجواء تمنح الرحلة بعدا أكثر أصالة وترسخها في الذاكرة”.
من جانبه، عبر كلود، وهو سائح فرنسي شاب يزور مراكش للمرة الثانية، عن نفس الإحساس، قائلا “لم أكن أتوقع اكتشاف مدينة نابضة بالحياة بهذا الشكل خلال رمضان. النهار هادئ، لكنه ليس خاليا. نشعر بنوع من السكينة. وهذا يتيح رؤية مراكش من زاوية مختلفة وأكثر عمقا”. وأشار إلى أنه “في المساء، تصبح الأجواء مذهلة. تنشط الشوارع، وتخرج الأسر، وتنثر الابتسامات وروح الألفة. وحتى كزائر، نشعر بأننا جزء من هذه الأجواء الجماعية. وهذا ما يجعل التجربة فريدة ومختلفة تماما عن إقامة تقليدية”. وهكذا، لا يقتصر رمضان بمراكش على كونه فترة روحانية فحسب، بل يتحول إلى تجربة سياحية حقيقية، تتداخل فيها سكينة النهار مع حيوية الليل، لتمنح الزوار انغماسا نادرا في روح المدينة الحمراء.
المراكشي/ و م ع
