المراكشي




أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
الساحة

بنك المغرب.. "إصلاحات" قد تعصف بهذا الأثر العمراني الفريد


المراكشي - الجمعة 26 فبراير 2021


تواصل صحيفة " المراكشي " متابعة أجواء القلق المتنامي داخل الرأي العام المحلي، خاصة الأوساط المعمارية الهندسية، من خبراء وباحثين مغاربة وأجانب، بشأن " إصلاح " المعلمة الفريدة في قلب مدينة مراكش المصنفة تراثا عالميا، ونقصد ما يجري من "أشغال" داخل بناية " بنك المغرب بساحة جامع الفناء "، والتي قد تهدد كيانها العريق كتحفة نادرة، بمناسبة ما تعرفه من أشغال "الإصلاح"، لتحويلها الى "متحف وطني للتراث اللامادي ".


إصلاحات بنك المغرب.. العشا المزيان

لقد سبق لصحيفة " المراكشي " أن نبهت - في مقال سابق- إلى الطعن القانوني في وجود مهندسة اجنبية في قلب هذا " الإصلاح "، حيث تجهل خبراتها الحقيقية وظروف " تعاقدها "(؟)، بناء على شكاية موجهة إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بمراكش، من طرف "هيئة المهندسين المعماريين بمراكش"، تأسست على استبيان الوضع القانوني للمهندسة الأجنبية، أصدره مدير الوكالة الحضرية وتجاهلته المعنية بالأمر، بحسب ما جاء في الشكاية. فما أسباب القلق الذي يبديه الرأي العام المحلي بخصوص ظروف وملابسات هذا "الإصلاح"؟.

بنك المغرب..قيمة تاريخية وعمرانية في مهب الريح

كشفت بعض الدراسات الفرنسية والمغربية الرصينة ( العدد الأخير من مجلة "دفاتر تراث مراكش والجهة " ) القيمة العمرانية والتاريخية - التي يناهز عمرها المائة عام (بنيت سنة 1926) - للتحفة الفريدة " بنك المغرب "،  الموجودة على مشارف ساحة جامع الفنا، والتي تخضع اليوم "لإصلاحات " من أجل تحويلها إلى  "متحف وطني للتراث اللامادي "، يثري الاحتفاء بذاكرة الساحة وأعلامها.
 

ووقفت بعض الكتابات الفرنسية في الموضوع، عند الأهلية المستحقة  للتصنيف الدولي الرفيع، باعتبارها معلمة تاريخية فريدة تحيل إلى نموذج ناذر، "مجموعة عمرانية"  تحمل ملامح مغربية / أندلسية أصيلة،  وبـ "نفس جديد " لمستهل القرن الماضي ( موريسكية حديثة !). 
 

 وبفضل ذلك  "عاشت " متصالحة مع الساحة وذاكرتها الثقافية والروحية، بل " ساهمت في رونق الساحة وجمالها " كما أراد لها في بداية القرن الماضي المعماري الفرنسي  الشهير "بروست "، وأبدع في تصميمها وإنجازها المعماريان الفرنسيان "ادمون بريون" و "اوكيست كاديت ". حيث كانا وراء تصاميم مبدعة لسبع مقرات بنكية أخرى وفي حي " الحبوس " بالدار البيضاء ومواقع اخرى، حتى أصبحا من أبرز العارفين بفنون العمارة المغربية الإسلامية ومقومات تنظيم المجال الحضري للمدينة المغربية القديمة. 
 

وقد نجح هاذين المعماريين نجاحا باهرا في بناء تعاون كبير وعميق مع كبار "المعلمين " والصناع والحرفيين المغاربة الذين تركوا بصماتهم الباذخة والمبدعة، حضور طابع محلي بارز، في تفاصيل إعداد وإنجاز هذا الأثر المعماري الفاتن.


توليف عمراني بديع بين القديم والحديث

فمن خلال استعراض أسرار هذه البناية / المعلمة، نجد "التناسب" البديع بين بساطة و"هيبة " واجهة خارجية لا تجذب "الفضول " رغم التناسق المبهر في هندستها، بل " تكتم " بحجاب اسوارها رؤية البذخ الهندسي والزخرفي الوافر داخل البناية،  مثل قبة خشب الأرز المزخرف والمرصع بالزجاج الذي تعبره الأشعة في البهو،عمل "المخرنس " في عتبات الاعمدة، الأسقف البديعة من الجبس الأبيض الذي  يتنافس مع "حمرة مراكش "، الشماسيات التي يتناوب فيها زواق "التوريق " و "عش النحل "، أقواس وقبب تعلوها سرادق تأخذ شكل "رأس الشاشية " ، وأسقف الممرات  من خشب الأرز الثمين الذي يزهو بنقوش "خاتم سليمان " . 
 

إن هذا العمل البالغ الاتقان والجمال،  يشمل  مكونات "المركب العمراني"  ( إقامة  المدير، الحديقة  بصهريج  مرصع بالزليج،  و نافورة  مصنوعة من الرخام ).
 

 فهل تتوفر الأوساط القائمة على  "إصلاح" هذه التحفة الفريدة ( وهي تستقطب - ومن بعيد - انتباه الخبراء المغاربة والغربيين !) كل المستلزمات البشرية والمادية والزمانية التي تضمن الجودة في التدخل الذي يحافظ على روح البناية ومقوماتها الجمالية البديعة؟.


سنوات من الانتظار وشهر لإنجاز الدراسات

 فبعد الإفادات الهامة التي تضمنها مقال سابق في صحيفة "المراكشي " بتاريخ 19 فبراير الأخير- في موضوع " اتفاقية الشراكة " الموقعة في  شهر ماي 2019  بين الأطراف الخمسة - بهدف " خلق إطار للتعاون والشراكة من أجل إحداث وتدبير متحف للتراث اللامادي "، حيث يلتزم "المجلس الجماعي " بإنجاز " أعمال الصيانة والإصلاح أثناء الإعداد "، و تلتزم المؤسسة الوطنية للمتاحف " بالتجهيز والتدبير والتنشيط " ( فضلا عن وزارة الثقافة وولاية الجهة وبنك المغرب ). سنكتشف مؤخرا، وبعد سنة ونصف من تجميد "اتفاقية الشراكة "، صدور مقرر جماعي بتاريخ 7 أكتوبر 2020 تحت عدد 497، و الذي صادق على تعديل محوري لالتزامات أطراف الاتفاقية الرئيسيين. 
 

وبموجب هذا المقرر، منح مسؤولو المجلس الجماعي لمراكش صلاحيات التدبير للمؤسسة الوطنية للمتاحف: "وفق تصور مشترك تعده الأطراف المتعاقدة " (وحول لحسابها البنكي 4 ملايين درهم عن السنة المالية 2020 )، كما خص هذا المقرر الجماعي "المؤسسة الوطنية للمتاحف " بمهمة جديدة محورية كانت تحت مسؤوليته، وهي إنجاز الدراسات وأعمال الصيانة والإعداد العام والسينوغرافيا ( البيئة الجمالية للعرض المتحفي ).
 

ومن جهة اخرى نجد ان المقرر التعديلي السابق الذكروالمصادق عليه  في أكتوبر 2020 ، لا تفصله إلا فترة شهر واحد عن الانطلاق الرسمي للأشغال في دجنبر 2020 . فهل المدة الزمنية التي لا تتجاوز الشهر الواحد كافية لمؤسسة  الـ"قطبي" من أجل إعداد التصورات والتصاميم وفرق العمل المدربة من جهة، والاستعدادات الدقيقة من أجل مباشرة أشغال الإصلاح في معلمة شديدة الحساسية من طراز تحفة بنك المغرب السابقة الذكر؟.

 ولان الإجابة عما سبق لا تحتاج الى نباهة خاصة، فإن أغلب المتتبعين لا يخفون قلقهم الكبير، وشكوكهم  في جودة وجدية الإصلاحات المرتقبة، وخطورة مخلفاتها على بناية عريقة وفريدة، كانت مرشحة للتصنيف الدولي ضمن روائع العمارة الحديثة بأنفاس مغربية أندلسية عريقة.


جامع الفنا ماشي فدان عريان

لقد تمت المصادقة على مقرر"تعديل الاتفاقية" من قبل المجلس الجماعي، والذي فوت أعمال الإصلاح لمؤسسة المتاحف في أكتوبر 2020 ، أي بعد أشهر من وضع التصاميم من طرف المهندسة الأجنبية (قبل ماي 2020 ) حسب إشارة مدير الوكالة الحضرية المتضمنة في الشكاية الموجهة إلى وكيل الملك من قبل هيئة المعماريين بمراكش.
 

 وإلى جانب  اللغز السابق،  يطرح السؤال أيضا حول حدود صلاحيات المؤسسة الوطنية للمتاحف المحدثة بموجب قانون 01.09 يوم 18 أبريل 2011  ، والتي تتولى لـ " حساب الدولة إدارة وتدبير وحفظ المتاحف "، فعلى أي أساس قانوني تم إسناد مهام "الإصلاح" و"البناء" لمؤسسة الـ"القطبي" والتي استعانت بخدمات مواطنة أجنبية خارج القانون.
 

ونختم بكلام احد الظرفاء من أهل البهجة/ مراكش - في باب تنبيه الغافلين - أن "ساحة جامع الفناء" "ماشي فدان عريان" ( بدون حسيب او رقيب ! )، فهي عبر تاريخها لا تقبل في حرمها من "الحلايقية" إلا "الأقوياء" بأدائهم، بعلمهم ونباهتهم وآدابهم وشجاعتهم. فكما لمدينة مراكش رجالاتها، للساحة، أيضا، رجالاتها.



تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

المدينة | جليز | المنارة | سيبع | النخيل | القصبة | الساحة | الضاحية