أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
رأي

الصويرة وموسيقى كناوة

جدلية فن ومدينة


احمد بومعيز - الجمعة 27 ديسمبر 2019



لم يكن من السهل الاقناع وبشكل استباقي بأن المهرجان الذي بدأ شبه محلي في دوراته الاولى منذ 21 سنة سيصير عالميا ، وستصير بفعله موسيقى كناوة تراثا إنسانيا معترفا به عالميا، كما لم يكن من السهل أن يتنبأ أحد بأن مدينة الصويرة ستصير عالمية بتتويجها لعدة مرات من طرف اليونسكو، الأولى سنة 2001 بإدراجها ضمن التراث الإنساني ، والثانية سنة 2019 بتصنيفها ضمن المدن المبدعة عالميا بفضل مهرجاناتها الموسيقية، والثالثة في نفس السنة، بعد تسجيل الفن الكناوي ضمن التراث العالمي اللامادي.

الصويرة.. فضاء تاريخي في وسط قروي

وعندما احتضنت مدينة الصويرة أول دورة لمهرجان كناوة صيف 1998، في مغامرة محفوفة بالمخاطر، لم يكن للمدينة ما تخسره أصلا ، فهي كانت فقط تلك المدينة البسيطة المهمشة المحسوبة تارة على الجنوب وتارة على مدن الوسط وتارة على المدن الساحلية، وببنيات هشة ووضع اقتصادي واجتماعي متهالكين، خصوصا بعد إغلاق أهم وحدات الصناعات التحويلية الغدائية المرتبطة بسمك السردين في نهاية الثمانينيات، وكذا بعض الوحدات الصناعية الأخرى كالجلد والدباغة ... لتنكمش الصويرة داخل مجال إقليمي قروي شاسع ببنيات اجتماعية واقتصادية هشة تتجاوز مساحته 4000 كلمتر مربع، وبتعداد سكاني  تجاوز 250000 نسمة، منها حوالي 75000 بالمجال الحضري لمدينة الصويرة .

وبهذه المونوغرافيا التبسيطية نلمس الألم الذي تقاسمته مدينة الفن الكناوي مع أهل "كناوة" المنتسبين إلى الزاوية الوحيدة المعروفة في المغرب أو في العالم بـ " زاوية سيدنا بلال"، والتي كانت تجمعهم من حين لآخر وفي موعد سنوي متواضع، وبين تلك الفترات كان أهل كناوة و"معلميه" يبادرون إلى إحياء حفلات ليلية "الليلات" ببعض البيوت والفضاءات، وكانت " الليلات " تعتمد غالبا كعادات ثقافية وتقليدية، ولغرض "الاستشفاء" في بعض الأحيان والأوساط.


الألم، قاسم مشترك بين الصويرة و"الكناوي"

لم يكن الوضع الاعتباري والمادي "للمعلمين الكناويين" ميسرا ولا يسيرا بالمرة، فقد كان الوضع الاجتماعي لأغلبهم متواضعا أو أقل من ذلك. ومنذ النشأة والبداية التي يرجعها العديد من الباحثين والدارسين إلى أواخر القرن 15 ومنتصف القرن 16 الميلادي، بعد قدومهم أو استقدامهم خلال فترة حكم الدولة السعدية كعبيد من دول جنوب الصحراء، و منها غينيا ومالي والسودان... وبالطبع وبضرورة الواقع التاريخي والاجتماعي والسياسي، كان الألم مكونا أساسا في المعيش والممارسة التي طبعت مسار مجموعات كناوة في الصويرة أو في المدن الأخرى التي احتضنتهم كمراكش ومكناس وتارودانت والدار البيضاء والرباط.

وهكذا ، وبهذا القاسم المشترك الذي كان أساسه الألم والتهميش والهشاشة جمع بين فضاء عريق اسمه مدينة الصويرة، ومجموعات تراثية موسيقية أصيلة في فن "كناوة"، انطلق مهرجان "كناوة موسيقى العالم"، فاتحا ثغرة أمل في المستقبل عبر مسار لم يكن سهلا بالمرة أبدا.


مهرجان كناوة بين المحلية والعالمي

منذ انطلاق الدورة الأولى للمهرجان سنة 1998، انتبه قلة من المتخصصين والمهتمين- وشكك الآخرون - لكون المبادرة لها من الجرأة والخصوصية والتميز ما قد يمكنها من بلوغ العالمية، شريطة توفير الشروط اللازمة لذلك.

وقد عرفت التجربة  منذ البداية عدة عراقيل، وفق الشروط الذاتية والموضوعية التي حكمت  الدورات المتتالية، والتي كادت تعصف بالمشروع ككل. ومن أبرزها نذكر التويل المالي اللازم لكل دورة، وصعوبة استدامة ومأسسة عمليات الدعم والتمويل، الاستغلال السياسي في بعض الأحيان للتظاهرة وتأثير ذلك على التمويل وعلى التوجه العام ، نسبية المشاركة المحلية في التنشيط والتنظيم، ضعف بنيات الاستقبال في المدينة، و الجدل القائم حول تبني المهرجان وإشكال المشروعية والشرعية الفنية والأدبية ... لكن ، وبكل موضوعية ، وبفعل التدخل الاحترافي للجهات المنظمة والمشرفة على التظاهرة، حقق المهرجان مع توالي  الدورات مناعته الخاصة وشخصيته الفنية والعلمية والثقافية، وسجل لصالحه نقط قوة من أهمها ، القدرة على الاستمرارية والايقاع السنوي القاروفي نفس الموعد بداية كل صيف، التغلب على مشاكل التمويل والدعم، الضبط التنظيمي والمنهجي للبرامج القارة والموازية، التحكم في التسويق الاعلامي، إدماج الفعاليات المحلية تدريجيا في التنشيط والمشاركة والتنظيم ، إيجاد تعاطف شعبي مع التظاهرة والالتزام بالمجانية بالنسبة للحفلات الموسيقية العمومية الكبرى، تتنويع البرنامج والفنانين، استقطاب الفعاليات الوطنية والدولية، والانفتاح على الموسيقى العالمية في إطار ورشات وحفلات المزج كالجاز والبلوز وغيره.

وبالوصول إلى العالمية اليوم، ولإمكانية الوقفة التقويمية للمهرجان وللفن الكناوي بشكل عام، يمكن أن نشير إلى بعض المؤشرات الدالة على النتائج الايجابية أو الأثر الإيجابي للتظاهرة، وهنا نذكر، تأهيل الفن الكناوي عموما والمساهمة في الترويج له والتعريف به وايصاله إلى جمهور واسع داخل وخارج المغرب ، فتح آفاق فنية جديدة للموسيقى من خلال المزج بين الموسيقى الكناوية وموسيقى عالمية أخرى، تأهيل العنصر البشري والفنان الكناوي  "المعلمين" فنيا وماديا واعتباريا ، المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمدينة الصويرة من خلال ضخ موارد مالية مهمة خلال فترة المهرجان خصوصا في سنوات الدروة التي كان عدد رواد المهرجان يتجاوزون 300 ألف متفرج ..


الصويرة.. بين العالمية والتنمية

تبقى الصويرة من بين المدن التي تطرح بها بجدية إشكالية التنمية وتعريفاتها ،ومدى صعوبة تحقيقها في غياب مجموعة من العناصر المتداخلة في كل المراحل المرتبطة بصيرورة المسار التنموي، وبالفعل وبكل موضوعية وانطلاقا من تجربة الصويرة، لا يمكن الادعاء بأن التنمية تتحقق أو قد تتحقق بمهرجان أو بتظاهرة فنية كيفما كان نوعها أوقوة انتشارها، ومن باب المزايدة أو الشعبوية في الطرح أن نعتبر أن الصويرة قد نالت حظها أوستأخذ حقها من التنمية فقط لاحتظانها مهرجانا عالميا أومهرجانات عالمية أخرى، رغم أن الاقتصاد الثقافي والفني يمكن أن يكون مكونا من بين مكونات أخرى قد تساهم في دينامية تنموية أو ذات بعد تنموي، من الاقتصادي إلى الاجتماعي إلى الثقافي إلى المجالات الأخرى المتداخلة والمندمجة ، ومن جهة أخرى لا بد من الاعتراف بكون المهرجانات التي تبنتها ونظمتها الصويرة منذ أكثر من 20 سنة، وعلى رأسها مهرجان "كناوة"، كانت بالفعل سببا مباشرا في بلوغها العالمية وتسويقها إعلاميا ثم سياحيا ، فقد رتبت الصويرة ضمن التراث الإنساني لليونسكو سنة 2001 ، ثم أدرجت ضمن المدن المبدعة عالميا سنة 2019 بفضل المكون الفني والموسيقى ، ثم أدرجت مؤخرا موسيقى كناوة ضمن التراث العالمي اللامادي وأيضا بفضل مهرجان الصويرة ، لكن رغم ذلك يمكن أن نلاحظ بعض التناقضات التي تعيشها الصويرة في علاقة مع هذا المكون الثقافي والفني الذي قادها إلى العالمية، فالمدينة لا زالت لا تتوفر على مسرح، ولا على قاعة للسينما، ولا على مكتبة ولا مكتبة وسائطية، وقاعات العرض الفني والعروض عموما شبه منعدمة باسثناء بعض الفضاءات التي تم إعدادها مؤخرا من طرف وزرارة الثقافة داخل أروقة البنايات التاريخية، وفضاء "دار الصويري" الذي يعتبر مقرا دائما لجمعية الصويرة موكادور، ولا تتوفرالصويرة على مركب ثقافي، وتتوفر فقط على معهد يتيم للموسيقى بقدرة استيعاب متواضعة ، ولا تتوفر على جامعات ولاعلى مدارس متخصصة في الفن والموسيقى ،....وهكذا يسجل على الصويرة ضعف وخصاص في البنيات الاقتصادية والثقافية بشكل عام، وأن الترويج الاعلامي الذي استهدفها لم توازيه أو تسايره بنيات تحتية مناسبة.


في نفس الركن
< >

الاثنين 10 فبراير 2020 - 19:41 "طاجين الشمايت"

 

تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات