أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مراكش

الخروف المسروق


حميد اليوسفي - السبت 1 غشت 2020



قصة قصيرة

عائشة بنت العرجة ، هكذا ينادونها في الحي ، امرأة في الثلاثينات ، سمراء البشرة ، بدينة الجسم، تعمل كخادمة في البيوت . توقفت عن الشغل بسبب جائحة كورونا . جمعت ثمن الخروف بشق الأنفس . نادت عليها المرأة التي تعمل عندها في الهاتف، وسلمتها خمسمائة درهم، وباعت ثلاجة مستعملة قدمتها لها السنة الماضية هدية بألف درهم .
 

اقترح عليها زوجها مسعود العاطل عن العمل منذ سنوات ، تأجيل عملية شراء الكبش إلى يوم الخميس . افترض أن العيد هذه السنة يمر بظروف صعبة، وأنه في اليوم الأخير ستنخفض الأثمان ، و يفوزان  بكبش كبير يأكلان من لحمه طيلة السنة، و يوفران بعض المال لاقتناء ما تبقى من لوازم العيد . 
 

وخوفا من أن تتعرض للسرقة في الحافلة أو السوق، كلفت زوجها بأن يذهب رفقة محمود ابن أختها، فقد سمعت بأن السعدية كلفته بشراء الكبش، و يشتركا في أداء واجب النقل. وشددت عليه ألا يتجاوز ثمن الخروف ألف و مائتي درهم، وأضافت إليها مصروف النقل والسجائر.


خروفان في واحد أفضل

عندما وصل مسعود ومحمود إلى السوق وجدا الأسعار مشتعلة ، وأن المبلغ الذي يتوفران عليه لن يشتري حتى نعجة أو (خروفة) . قطعا السوق طولا وعرضا أكثر من مرة . الوقت يمضي ولا أمل في شراء الأضحية حتى ولو جمعا المبلغين معا . 
 

فجأة وقع ما لم يكن في الحسبان . بدأ بعض الشباب يرشقون الكسابة والفلاحين بالحجر . تحركت بعض الشاحنات للخروج من السوق . ثم هجم بعد ذلك حشد من الناس على شاحنات أخرى بقيت واقفة . استولوا عليها ، وطردوا أصحابها ، وصعدوا إليها ، وبدءوا ينزلون الخرفان ويفرون بهم خارج السياج.

 

تمكن مسعود ومحمود من انتزاع خروف واحد، لكنه كبير يفوق ثمنه ثلاثة آلاف درهم . حملاه على تريبورتور مقابل خمسين درهما . توافقا في الطريق على أن يخترعا مخرجا ، ويقنعا عائشة وأختها السعدية بأنهما وجدا السوق مشتعلا من حيث الأثمان ، وقررا شراء خروف واحد بدلا من العودة وهما خاويا الوفاض، ويحتفظ كل واحد منهما بالمبلغ الذي معه .
 

وصلا إلى البيت بعد صلاة العصر. أنزلا الخروف ، وناديا على عائشة وأختها ورددا عليهما الأسطوانة التي اتفقا عليها من أولها إلى آخرها. لم تقتنع المرأتان بكلامها ، أحستا بوجود شيء غامض، ولكنهما لم يهتديا إلى معرفته. تنازلت عائشة للسعدية على أن يبيت عندها الخروف شريطة أن يُذبح غدا في بيت عائشة .
 

اغتسل مسعود ومحمود في المرحاض، وغيرا ملابسهما، وخرجا إلى الحي . تناولا ساندويتش واقتنيا علبتا مالبورو، وكيسا من البيرة الباردة ، وقطعة حشيش ، وعلبة من ورق (النيبرو) . سارا إلى هامش الحي وجلسا تحت ظل شجرة. بعد قليل ستغرب الشمس، ويأتي باقي أفراد العصابة ويشربون ويدخنون ويلعبون الورق إلى ما بعد منتصف الليل.


البوليس يفضح المستور

قبل صلاة العشاء بقليل، سمعت السعدية قرع قوي على الباب، فنهضت من أمام مسلسل تركي مذعورة وهي تردد :
 

ـ اللهم اجعله خيرا ! 
 

وسألت من بالباب ؟ جاءها الصوت قويا. توقفت عن الحركة وكأن الماء أصابها في ركبتيها. عاد الصوت يصرخ من جديد :
 

ـ البوليس ، افتحي الباب وإلا كسرناه ! 
 

تمالكت نفسها ، وتحركت وكل فرائصها ترتعد ، وتتساءل ماذا فعل المسخوط ؟ 
 

ما كادت تفتح الباب، حتى دفعه الشرطي بقوة فارتطم بوجهها :
 

ـ أين الكبش ؟ وأين محمود؟ 
 

خرج الجيران  و أحاطوا بسيارة الشرطة يتفرجون على مشهد مألوف في الحي. كل يوم أو أسبوع تقتحم الشرطة هذا البيت أو ذاك بحثا عن مجرم أو لص متابع في قضية حشيش أو سرقة .  
 

فتشت الشرطة البيت، وأخبرتها بما وقع، وطلبت منها أن تصحبها إلى المقاطعة لأخذ أقوالها.
 

سمعت عائشة بما وقع، فخرجت مذعورة من بيتها. عادت لترتدي جلبابها، وهي تلطم خديها وتصرخ :
 

ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مسعود. لو كنت أعلم بأنك ستفعلها يا ولد الحرام، لذهبت إلى السوق بنفسي . ثم تبعتهم إلى مركز الشرطة . 
 

استمعت الشرطة للأختين ، وحررت لهما محضرا ، وقالت بأنها ستقدمهما للمحاكمة بدعوى المشاركة في جريمة السرقة، وأصدرت مذكرة بحث عن مسعود ومحمود.
 

مراكش في 01 غشت 2020



تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات