أرسل لصديق
قابلة للطباعة
تكبير حجم النص
تصغير حجم النص
مراكش

احتجاجات الإدارة التربوية بين التنميط والإبداع


عمر الروماني - الاحد 4 أبريل 2021


في هذه المقالة للأستاذ عمر الروماني، مدير مجموعة مدارس أولاد نجيم بالمديرية الاقليمية للتربية والتكوين بمراكش، حديث عن أنماط الإحتجاج وعلاقتها بالإبداع، وتساؤلات حول مشروعية اعتماد الغناء أو أشكال فنية وتعبيرية أخرى في الاحتجاج، وهي التساؤلات التي تمت إثارتها على هامش الإضرابات والاعتصامات التي خاضتها و تخوضها الإدارية التربوية منذ مدة إن على المستوى المحلي أو الوطني.


احتجاجات على إيقاعات موسيقية

أثار نجاح الاعتصامات المنظمة من طرف التنسيق الثلاثي للإدارة التربوية ردود فعل مختلفة. الاعتصامات عرفت نجاحا باهرا على صعيد كل المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية. 
 

هذا النجاح ليس مجرد كلام عاطفي وليس من باب مدح الذات في بعدها الجماعي. إنه نجاح يبرره الانخراط العددي للمعتصمين والملتزمين بالبرنامج النضالي للجمعيات الثلاث للإدارة التربوية. بالإضافة لطول النفس الاعتصامي وتنوع وغنى فقرات كل المعتصمات على صعيد كل الجهات والأقاليم.
 

 والأجمل في هذا التنوع هو الإبداع الذي ميز أداء الشعارات النضالية وتقديمها في حلل حماسية ذات مضمون نضالي ملتزم بهموم المحتجين على أطباق شكلية تحمل طابع المحلية.وهكذا شهدت الساحات النضالية شعارات بالامازيغية وأخرى في أشكال إيقاعية صحراوية وشعبية وأخرى مستعملة أدوات موسيقية عصرية.


مشروعية الاحتجاج المصحوب بالغناء

هذا التنوع الإبداعي له منافع كثيرة تساهم في إنجاح الاعتصامات. فهي تشيع حماسا في نفوس المحتجين وتمنحهم قوة وصبرا لمواجهة متاعب الوقوف الممتد على مسافة زمنية طويلة تحت شمس حارقة. وقد عرفت هذه الصيغ الشعاراتية انخراطا نشيطا من طرف الأغلبية الحاضرة في كل الجهات.
 

للأسف، لكل نجاح عوائق تستهدف كبح جماحه وتوقيف امتداده وانتشاره. الانطلاقة الناجحة لاحتجاج الأطر الإدارية كان من المتوقع  أن يجابهه من يعنيهم الاحتجاج أو من يحرمون الإداري من مطالبه. لكن المقلق أن نجد بين المحتجين صوتا يقلل من حماس وصدق وقوة الاحتجاج شكلا ومنهجية. وذلك بانتقاد الشكل الذي تقدم به الشعارات. مدعيا أن الشعار المقدم في شكل غنائي لا يليق بمقام الحدث ولا يناسب هوية الإطار الذي يقدمه. السؤال المطروح : هل هناك شعارات تقتصر على اللغة دونما شكل إيقاعي معين؟، ليس هناك شعار بدون إطار إيقاعي يحمل اللغة إلى مسامع المحتجين والمعنيين بالاحتجاج. عندما نزيل الإيقاع عن الشعار فإننا حثما نغير هويته ومعناه.
 

إن مجرد مسح بانورامي وجيز يؤكد الدور الفعال للعديد من التخصصات في إنجاح الاحتجاجات. هناك ارتباط وطيد بين السلوك الاحتجاجي والعديد من المجالات والاهتمامات الإنسانية. الاحتجاج لحظة إنسانية تمتح من كل الروافد وتصب في كل الاتجاهات المرتبطة بالإنسان. بهذا المعنى ، فإن الاحتجاج تعبير منفتح على كل ما يقويه ويوصل رسالته. وهكذا نجد الاحتجاج كسلوك وإحساس وموقف عابر لكل الاهتمامات الإنسانية.  فهو تيمة تمتد عبر العلوم الإنسانية والنظريات التربوية، وكذا الفنون كالمسرح والرسم والسينما والموسيقى.


التعليم سبيل للثورة على القهر

وما دمنا نتحدث في سياق إداري تربوي ، أود البدء بمثال اشتغل في التنظير والممارسة التربويين، إنه المفكر باولو فريري البرازيلي الأصل والذي كان معارضا سياسيا للديكتاتوريات الاستبدادية المتعاقبة على حكم البرازيل. ترجم ثورته السياسية في قوالب تربوية معتبرا التعليم سبيلا للثورة على القهر وطريقا لتحقيق الحرية باعتماد نمط تعليمي مختلف يتمحور حول الحوار بدل التعليم البنكي الذي يكرس الوضع القائم،  وأبرز كتبه في هذا الاتجاه : " تعليم المقهورين"  بداية السبعينيات من القرن الماضي.
 

ومادامت احتجاجات الأطر الإدارية يؤخذ عليها التميز الإيقاعي والادعاء أن الإيقاع يقلل من الشحنات الاحتجاجية والغضب المراد التعبير عنه، لهذه الأصوات المنتقدة نقدم مجموعة من الحقائق والمعطيات التي توضح ثنائية الرفض والموسيقى. ففي الخزانة العربية العديد مو النماذج الاحتجاجية الغنائية مثل الشيخ إمام و أحمد قعبور وجوليا بطرس مارسيل خليفة والكثير من الأسماء الغنائية التي تؤجج الاحتجاجات والاعتصامات. وهكذا تصير الموسيقى تعبيرا عن رفض لأوضاع سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. الموسيقى تتحول إلى وسيلة لمقاومة الاستعمار والفساد بشتى أنواعه.
 

بعض النصوص نالت شهرة وحضورا جماهيريا نظرا لارتباطها بشخصيات ذات حمولة ثورية أو بفضل مضمون احتجاجي عميق. نورد هنا أمثلة على سبيل الذكر. إن قصيدة " إرادة الحياة" التي انتجها أبو القاسم الشابي في بداية القرن العشرين لاتزال تحرك الجماهير المحتجة من شرق العالم العربي إلى غربه. قطعة " الحرية لنيلسون مانديلا " تتمحور حول رمز التغيير في جنوب أفريقيا منذ  1962، بالإضافة لذلك نجد الأغنية الإسبانية حول تشي غيفارا والتي تمتح من قولة الزعيم " دائما حتى النصر " وهو يغادر كوبا. إنها أغنية " Hasta Siempre" .ومن الأغنية الإسبانية إلى الأغنية الإيطالية، حيث القطعة الشهيرة بمضمونها وغايتها المتمثلة في مناهضة الفاشية والنازية ، أغنية شعبية تحمل عنوان " وداعا يا جميلة " / "Bella Ciao". 
 

وكباقي اللغات، تزخر اللغة الانجليزية بنماذج احتجاجية عديدة. تحضرني هنا أغنية " Blowin in The Wind "  لبوب ديلان والتي تعتبر شعارا لحركة المطالبة بالحقوق المدنية في أمريكا. وكذلك أغنية " Another Brick in the Wall" ، لمجموعة بينك فلويد ، قطعة متميزة برفضها للنظام التعليمي في بريطانيا بداية السبعينيات. وكل متمعن في أغاني بوب مارلي يجد نفسه أمام محتوى ثوري رافض للقمع والاستعمار والاضطهاد والحروب. 
 

نلاحظ من خلال هذه الجرد السريع أن الاحتجاج ليس معزولا عن كل ما يمكنه خدمة الهدف الأساسي ألا وهو إيصال صوت المحتجين من أجل تحقيق المطالب. ورفض الشكل الغنائي في التعبير عن المطالب والغضب هو دليل على التمسك بصورة نمطية متحجرة تنم عن تخلف ذهني نتاج تسلط وقهر متمكنين.



تعليق جديد
Twitter

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المراكشي
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

مراكش | الأقاليم | رأي | مجلة | المراكشي | اجتماعيات